في عالم يفترض أن تكافأ فيه الجدية ويحتفى فيه بالاتقان قد تجد نفسك فجأة خارج المشهد فقط لأنك قررت أن تؤدي دورك كما يجب.. ليس لأنك أخطأت بل لأنك أصبت في وقت صار فيه الخطأ هو القاعدة والاهمال هو اللغة السائدة بين الجميع.
حين تعمل بضمير وتنجز مهامك على أكمل وجه وتلتزم بما عليك دون تهاون .. تكتشف أنك لا تنتمي لهذا الوسط.. فالآخرون لا يرون فيك نموذجاً يحتذى بل عبئا يحرجهم وجودك .. يسلط الضوء على تقصيرهم.. وصمتك الصادق يكشف زيفهم فيتحول تقديرك لذاتك إلى مصدر إزعاج لهم.
المشكلة لا تكمن في أنك مختلف بل في أن الاختلاف هنا يفهم على أنه تهديد في بيئة اعتادت التسيب ليصبح الانضباط شذوذا .. ويصبح صاحب الضمير شخصا غير مرغوب فيه لا لأن الناس تكره النجاح بل لأنها تخشى المقارنة التي تفضح تقاعسها.
وتبدأ نظرات الاستغراب ..ثم همسات السخرية ..ثم محاولات الإقصاء الناعمة وكأن الرسالة غير المعلنة تقول لك ـ إما أن تنضم إلينا .. أو تظل وحدك ـ وهنا يظهر الاختبار الحقيقي هل تتنازل لتقبل أم تتمسك لتبقى صادقا مع نفسك.
النبذ في هذه الحالة ليس عقوبة بل وسام خفي دليل على أنك لم تنجرف ولم تساوم ولم تفرط في قيمك مقابل راحة مؤقتة أو قبول زائف .. نعم قد تدفع ثمنا نفسيا وقد تشعر بالعزلة لكنك في المقابل تحتفظ بأغلى ما تملك احترامك لذاتك.
وفي النهاية فالتاريخ لا يذكر أولئك الذين سايروا الفوضى .. بل يخلد من وقفوا ضدها حتى وإن كانوا وحدهم في البداية .. لذلك إن وجدت نفسك منبوذا لأنك تؤدي دورك بإخلاص فأعلم أنك لست المشكلة .. بل أنت الاستثناء الذي يكشف خلل القاعدة.