في رحاب جامعة بنها، حيث تلتقي أروقة العلم بنبض الطموح، وتتشابك خيوط المعرفة عبر القارات والحدود، استقبل الدكتور ناصر الجيزاوي، رئيس الجامعة، وفداً من أساتذة وباحثي جامعة وسط الصين الزراعية، في لقاء جمع بين الدفء الإنساني وعمق الرؤية الأكاديمية.
لم يكن اللقاء مجرد مصافحة بروتوكولية بين مسؤولين، بل كان احتفاءً بعشر سنوات من الصداقة الراسخة التي أثمرت أبحاثاً ومنحاً وأجيالاً من الباحثين الذين حملوا علم مصر إلى قلب الصين ورجعوا محملين بالمعرفة.
لقاء على هامش العلم
جاء هذا اللقاء على هامش مشاركة الوفد الصيني في المؤتمر الخامس للعلوم التطبيقية بجامعة بنها، الذي يُعقد بمقر الجامعة في العبور، وكأن العلم أراد أن يُكرّم نفسه باجتماع أهله على أرض واحدة.
في القاعة ذاتها التي تشهد نقاشات العقول وتلاقي الأفكار، جلس الجيزاوي بجانب نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث الدكتورة جيهان عبد الهادي، ونائب رئيس الجامعة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة الدكتور طه عاشور، في مشهد يعكس ثقل الحدث وأهميته المؤسسية.
في المقابل، ضمّ الوفد الصيني نخبة من العقول العلمية؛ الدكتور سون منينغ، أستاذ بكلية علوم الحياة، والدكتور محمد فرحات فوده، والدكتور لي أيبوا المتخصص في تربية المحاصيل، إلى جانب الدكتور عثمان صبري، وطالبتين تجسّدان مستقبل هذا التعاون؛ وان ياوجيا المتخصصة في البيولوجيا الجزيئية والهندسة الوراثية، ورين ليه الباحثة في علم الأحياء الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية.
حكاية عشر سنوات
تحدّث الجيزاوي بفخر مكتوم عن رحلة الشراكة التي امتدت قرابة عشرة أعوام، وكأنه يستعيد صفحات كتاب كتبه الطرفان معاً حرفاً حرفاً. قال إن هذه الزيارة لا تعني مجرد التنسيق بين مؤسستين أكاديميتين، بل هي تجديد لعهد قائم على الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة.
وفي القليوبية الآن، ومن قلب جامعة بنها التي تنبض بالحياة الأكاديمية، يتشكّل مستقبل واعد تتجلى ملامحه في برنامج طموح يعمل عليه الجانبان لـإنتاج أصناف جديدة من الأرز المصري، يجمع بين الخبرة الصينية العريقة في زراعة الأرز والبيئة المصرية الفريدة التي تحتضن هذا المحصول منذ آلاف السنين.
ولم يقتصر الحديث على الأبحاث المشتركة، إذ أكد الجيزاوي أن الجامعة تسعى إلى توفير منح دراسية لطلابها للالتحاق بالدراسة في الصين، وتفعيل برامج التبادل الطلابي من خلال المدارس الصيفية، في رسالة واضحة: إن الاستثمار الحقيقي هو في العقول قبل المختبرات.
حصاد عقد من العطاء
من الجانب الصيني، لم يكن الكلام مجاملةً فارغة، بل كان استعراضاً لسجل حافل من الإنجازات المشتركة. أكد الوفد أن السنوات العشر الماضية شهدت حصول شباب الباحثين من جامعة بنها على منح دراسية متعددة شملت درجات الماجستير والدكتوراه، فضلاً عن منح لإجراء أبحاث ما بعد الدكتوراه، في مسار أكاديمي متكامل يصنع الباحث المتمكن.
وامتد هذا التعاون إلى ما هو أعمق؛ فقد أثمرت المشروعات البحثية المشتركة عن نشر عدد كبير من الأبحاث في مجلات عالمية مرموقة، تحمل أسماء باحثين مصريين وصينيين جنباً إلى جنب، في دليل حيّ على أن العلم حين يتجاوز الحدود يصبح أكثر قدرة على تغيير العالم.
بذور للغد
في نهاية اللقاء، كان واضحاً أن ما جمع الطرفين ليس فقط بروتوكول التعاون الأكاديمي، بل هو وعي مشترك بأن المستقبل يُبنى في المختبرات والقاعات الدراسية، وأن الصداقة بين الشعوب تتجذّر حين يجلس عالم مصري وآخر صيني على طاولة واحدة يبحثان معاً عن بذرة أرز أفضل، وعن جيل من الباحثين أكثر تميزاً.
فمن بنها إلى ووهان، ومن ضفاف النيل إلى قلب الصين الزراعية، تمتد جسور العلم لتقول إن المعرفة لا وطن لها سوى الإنسانية جمعاء.