لم يكن يوماً عادياً حين خطت أقدامهم على أرض المتحف المصري الكبير. كانت أعينهم تتسع دهشةً، وقلوبهم تنبض بشيء يشبه الفخر، وكأن الحضارة التي تنام في تلك القاعات الشاهقة كانت تنتظرهم بالتحديد لتحكي لهم حكايتها.
طلاب جامعة بنها من ذوي الهمم، الذين اعتادت الحياة أن تضع أمامهم تحديات مضاعفة، وجدوا أنفسهم اليوم وجهاً لوجه مع عظمة آلاف السنين، في زيارة نظّمتها جامعة بنها برعاية رئيسها الدكتور ناصر الجيزاوي، احتفاءً بأبنائها الذين يُثبتون كل يوم أن الهمة لا تعرف حدوداً.
بين جدران التاريخ
في قلب الجيزة، حيث يقف المتحف المصري الكبير شامخاً كأنه رسالة مصر إلى العالم، دخل الوفد الطلابي إلى عالم لا تكفيه الكلمات. لم تكن القطع الأثرية مجرد تماثيل وجرار ومقتنيات قديمة، بل كانت أرواحاً تتكلم وتحكي عن أمة صنعت التاريخ حين كان بقية العالم لا يزال يتعلم الإمساك بالحجر.
تعرّف الطلاب عن كثب على مجموعة نادرة من القطع الأثرية التي تعكس عمق الحضارة المصرية وفرادة تراثها الثقافي، وشاهدوا بأعينهم أحدث تقنيات العرض المتحفي التي تُعيد صياغة التاريخ بلغة العصر، إذ تندمج التكنولوجيا الحديثة مع قصص الأجداد في مشهد بصري يأسر الأرواح ويُبهج العقول.
سعادة تتجاوز الوصف
لم تكن ردود أفعال الطلاب مجرد إطراء مجاملة، بل كانت تعبيراً صادقاً عن لحظة أصيلة. أعرب الطلاب عن سعادة كبيرة بالزيارة، تلك السعادة التي لا تأتي من مجرد رؤية المكان، بل من الشعور بالانتماء إلى هذا الإرث العظيم، وإدراك أن هذه الحضارة هي هويتهم قبل أن تكون تاريخهم.
وفي القليوبية الآن، ومن جامعة بنها التي تؤمن بأن التعليم رسالة إنسانية شاملة لا تستثني أحداً، تتجلى فلسفة دعم ذوي الهمم في صورتها الأكثر إشراقاً؛ فالخروج من الفصول الدراسية إلى رحاب الحضارة هو في حد ذاته درس لا تحتويه مناهج.
مشروع وطني بروح حضارية
وقف الدكتور ناصر الجيزاوي أمام عظمة المكان ليُعبّر بكلمات تحمل وزن المسؤولية والافتخار معاً، مؤكداً أن المتحف المصري الكبير ليس مجرد صرح للعرض والتوثيق، بل هو مشروع وطني بامتياز، تتكامل فيه الهندسة المعمارية مع الروح الحضارية، وتلتقي فيه الحداثة بالتاريخ في لوحة بصرية وثقافية فريدة تُعيد تعريف معنى القوة الناعمة لمصر.
وأضاف الجيزاوي أن هذا الصرح الشاهق يؤكد أن الهوية المصرية قادرة دائماً على التجدد والعطاء، وأنها ليست أسيرة الماضي بل هي جسر يمتد من عمق التاريخ إلى أفق المستقبل.
نموذج يُحتذى به
لا تكتفي جامعة بنها بالكلام حين يتعلق الأمر بذوي الهمم، بل تُترجم التزامها إلى أفعال ملموسة يشعر بها الطالب في كل خطوة من مسيرته الأكاديمية. أوضح الجيزاوي أن الجامعة تسعى دائماً لأن تكون نموذجاً يُحتذى به في دعم هذه الفئة وتمكينها، من خلال توفير بيئة تعليمية دامجة تضع في حسبانها كل احتياج وكل تحدٍّ.
ولا تقف الجامعة عند حدود التسهيلات الأكاديمية والإدارية، بل تمتد رعايتها لتشمل تنظيم أنشطة ثقافية ورياضية تُبرز مواهب هؤلاء الطلاب وتُعزز ثقتهم بأنفسهم، وتبني في نفوسهم يقيناً بأنهم ليسوا هامشاً في المجتمع بل هم في صميمه.
كما تبنّت الجامعة سياسات واضحة تضمن تكافؤ الفرص لجميع طلابها، وترسّخ قيم الاحترام والتقدير لكل إنسان، مهما كانت التحديات التي يواجهها في طريقه.
خاتمة تكتبها الهمم
حين غادر الطلاب المتحف في نهاية اليوم، لم يكونوا كما دخلوا. شيء ما تغيّر في داخلهم؛ ربما هو ذلك الإدراك العميق بأن أجدادهم الذين بنوا الأهرامات ونحتوا التماثيل وحفروا الحضارة في الحجر لم يكونوا يعرفون كلمة "مستحيل".
وهم أيضاً لن يعرفوها.