لم تعد الأسئلة الكبرى عن الذكاء الاصطناعي حكراً على مختبرات عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون، فها هي قاعات جامعة بنها الأهلية تستضيف حواراً جاداً ومعمّقاً حول هذا الكيان الرقمي الذي يعيد رسم ملامح العالم من حولنا، في ندوة تعريفية حملت عنوان "الذكاء الاصطناعي – برنامج التدريب الاحترافي"، نظّمتها الجامعة برعاية رئيسها الدكتور تامر سمير.
لم يكن الحضور رسمياً باهتاً، بل كان حضوراً حياً ينبض بالتساؤل والاهتمام؛ أساتذة يبحثون عن أدوات تُحسّن تجربتهم التعليمية، وطلاب يتطلعون إلى مستقبل سوق عمل يتشكّل الآن أمام أعينهم بخطى متسارعة.
حضور يعكس ثقل اللحظة
لم تكن الندوة مجرد فعالية روتينية تُضاف إلى سجل النشاط الأكاديمي، بل كانت محطة فكرية جمعت نخبة من القيادات الأكاديمية في مشهد يعكس جدية التوجه نحو التحول الرقمي. حضرها الدكتور محمود صقر مستشار الجامعة للبحث العلمي والابتكار، ومديرو البرامج، والدكتور محمد أنور مدير مركز التعليم المستمر، فيما تولّى المحاضرة الدكتور أحمد هيكل، في حضور لافت من أعضاء هيئة التدريس والطلاب الذين جاءوا بأسئلتهم وفضولهم وطموحاتهم.
ضرورة لا خيار
تحدّث الدكتور تامر سمير بلهجة من يعي تماماً حجم المرحلة وثقل مسؤولياتها، مؤكداً أن جامعة بنها الأهلية تولي اهتماماً كبيراً بـتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية والبحثية، بما يسهم في تطوير مخرجات التعليم وتأهيل الطلاب لمتطلبات سوق العمل.
وفي القليوبية الآن، ومن قلب جامعة بنها الأهلية، يتردد صدى هذه الرؤية بوضوح؛ فالتحول الرقمي لم يعد رفاهية أكاديمية أو خياراً مؤجلاً، بل بات ضرورة حتمية لمواكبة التطورات العالمية المتسارعة التي لا تنتظر أحداً ولا ترحم المتأخرين.
وأضاف سمير أن الجامعة ماضية في دعم بيئة تعليمية متطورة قائمة على الابتكار والمعرفة، مع التركيز على تنمية مهارات الطلاب في مجالات التكنولوجيا الحديثة، بما يعزز قدرتهم التنافسية في سوق العمل محلياً ودولياً.
داخل القاعة.. حيث تتشكّل المعرفة
تناولت الندوة بالعرض والتحليل أهمية الذكاء الاصطناعي واستخداماته المتشعبة في دعم العملية التعليمية، وكانت المفاجأة الحقيقية أن التطبيقات المطروحة لم تكن نظريات مجردة، بل أدوات عملية قابلة للتطبيق الفوري داخل الجامعة وخارجها.
على صعيد أعضاء هيئة التدريس، كشفت الندوة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحوّل إلى مساعد أكاديمي لا يتعب، يُعين الأستاذ على إعداد وتحليل إحصائيات الطلاب والبيانات الأكاديمية بكفاءة تفوق ما يمكن إنجازه يدوياً في أضعاف الوقت.
أما على صعيد الطلاب، فقد فتحت الندوة أعينهم على عالم من الإمكانيات؛ من تلخيص المحاضرات وتبسيط المحتوى العلمي المعقد، إلى أدوات تحوّل ساعات المراجعة الشاقة إلى تجربة تعلّم أكثر عمقاً وأقل إرهاقاً.
من المستشفى إلى الشركة.. الذكاء الاصطناعي في كل مكان
الأكثر إثارةً في الندوة كان استعراض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، ذلك الاستعراض الذي كشف أن هذه التقنية لم تعد ضيفاً عابراً على قطاع بعينه، بل أصبحت شريكاً راسخاً في صميم المنظومة الإنتاجية والخدمية.
في المجال الطبي، وتحديداً في مستشفيات الأورام، يُسهم الذكاء الاصطناعي في تصنيف الحالات المرضية بدقة وسرعة تُنقذ أرواحاً، إذ تعني الدقة هنا الفارق بين تشخيص صحيح يُنقذ حياة وآخر يُضيّع الوقت الثمين.
وفي عالم الشركات والأعمال، يتجلى دوره في تحليل البيانات وتقييم الأداء ودعم اتخاذ القرار، تلك الثالوث الذي يحدد في نهاية المطاف نجاح المؤسسة أو تعثّرها.
أما في مجال البرمجة، فقد أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة هادئة لكنها عميقة، إذ بات يُسهّل كتابة الأكواد ويُسرّع تطوير البرمجيات بصورة غيّرت طبيعة العمل التقني كلياً.
وفي كل ذلك، يبقى تحليل البيانات واستخراج النتائج بدقة وكفاءة هو الخيط الرابط الذي يجعل من الذكاء الاصطناعي أداةً لا غنى عنها في عصر المعلومات.
رسالة إلى الجيل القادم
في نهاية المطاف، كانت هذه الندوة أكثر من مجرد عرض تقني أو تعريف بأدوات رقمية. كانت رسالةً واضحة من جامعة بنها الأهلية إلى طلابها وأساتذتها مفادها: إن المستقبل لا ينتظر، والتكيّف مع الذكاء الاصطناعي ليس مسألة وقت بل مسألة إرادة.
وحين تخرج الأفكار من القاعات الأكاديمية لتتحوّل إلى مهارات حقيقية يحملها خريج يقتحم سوق العمل بثقة، يكون التعليم قد أدّى رسالته