في زحام الأيام العادية، وبينما يصطف المواطنون أمام المخابز البلدية في انتظار رغيف الخبز المدعوم، كانت يدٌ خفية تسرق من هذا الرغيف قبل أن يُخبز.. تجمع الدقيق كيسًا كيسًا، وتُهيئه لرحلة مختلفة تمامًا — لا إلى الأفران، بل إلى السوق السوداء.
لكن عيون الرقابة كانت أيقظ من أن تغفل.
ضبطٌ في قلب المخبز
داهمت فرق التفتيش التابعة لـمديرية تموين القليوبية أحد المخابز البلدية، ليجدوا ما لم يكن يُفترض أن يكون هناك: عشر شكائر من الدقيق المدعوم، مُكدَّسة بعيدًا عن العجّانين والأفران، في انتظار مشترٍ من السوق السوداء يدفع أكثر مما تستحقه دعمًا — ويأخذ أكثر مما يحق له قانونًا.
نصف طن من الدقيق المُخصَّص لإطعام الناس، حُوِّل إلى أداة للثراء غير المشروع. وحُرِّر بحق المخبز محضر جنح، ليبدأ ملف قضائي بدلًا من دفعة خبز.
القليوبية الآن في مواجهة المخالف
ما جرى في ذلك المخبز لم يكن حادثة معزولة، بل كان جزءًا من منظومة رقابية مكثفة تتحرك في القليوبية الآن على أكثر من جبهة في آنٍ واحد.
امتدت الحملات لتشمل قلب المحافظة وأطرافها: طوخ، وبنها، وقها، والقناطر الخيرية، وشبين القناطر، وقليوب، وحي شرق شبرا الخيمة، والخانكة، وكفر شكر — مسيرة رقابية لا تتوقف عند حد، تمر على المخابز والأسواق ومستودعات البوتاجاز ومحطات الوقود.
الأرقام تتكلم
حين تُحوَّل الجولات الميدانية إلى أرقام، تتكشف صورة أوسع من مخالفة واحدة:
- 54 تقرير إثبات حالة صدرت ضد مخابز بلدية، طالت جرائم متعددة: خبز ناقص الوزن، وإهمال اشتراطات النظافة، والتصرف غير المشروع في الدقيق المدعوم.
- 3 محاضر حُرِّرت ضد مستودعات بوتاجاز أغلقت أبوابها دون إذن رسمي.
- 12 محضرًا بسبب غياب لافتات الأسعار — تلك التفصيلة الصغيرة التي تحمي المستهلك من الجهل بما يدفع.
- مخالفات إضافية تراوحت بين إدارة أنشطة تجارية دون ترخيص، وحيازة سلع تموينية مدعومة خارج المنظومة الرسمية.
إرادة سياسية وراء كل حملة
هذه الحملات لا تتحرك بلا توجيه، فهي تأتي تنفيذًا لتعليمات الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، ومتابعة مباشرة من المهندس حسام عبدالفتاح، محافظ القليوبية، وإشراف الدكتور تامر صلاح مختار، وكيل وزارة التموين بالمحافظة — في رسالة واضحة مفادها أن الرقابة ليست موسمية، بل هي نبضٌ يومي لا يهدأ.
الرغيف أمانة
في نهاية المطاف، القضية أبسط وأعمق مما تبدو في التقارير الرسمية: رغيف الخبز البلدي ليس سلعة عادية، إنه عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، يقول: لن تجوع. حين يتسلل إليه الجشع ويحوّله إلى ربح في السوق السوداء، فإن الذي يخسر أولًا ليس الدولة — بل صاحب الدور الطويل الذي جاء ليأخذ رغيفه ووجد المخبز يعتذر بنقص الدقيق.
ولهذا، تقول مديرية التموين بوضوح: الحملات مستمرة، والرقابة يومية، ولا تهاون مع من يلعب بقوت الناس.