حين أشعل طالب "الإنترنت" بمنشور واحد.. قصة "وكر المخدرات" الذي لم يكن!

المتهمين فى الواقعة

المتهمين فى الواقعة

احمد عواد

في زقاق هادئ من أزقة أول العبور، وبين عمارات سكنية تتشابك فيها حكايات الجيران وتتقاطع أسرارهم، وُلدت قصة من تلك القصص التي تبدأ بمنشور عابر على هاتف شاب، ولا تنتهي إلا أمام رجال المباحث.

المنشور الذي أشعل الفتيل

لم يكن يدري ذلك الطالب الشاب، ساكن دائرة قسم شرطة أول العبور، حين دفعته أصابعه لكتابة منشوره الناري، أن كلماته ستتحوّل إلى قضية تتناقلها السوشيال ميديا وتتحرك على إثرها الأجهزة الأمنية.

كتب بلهجة الخائف المذعور عن "وكر مخدرات" نشأ في قلب عمارتهم، واصفاً كيف أن جامعي خردة استأجروا شقة سكنية وحوّلوها — بحسب ادعائه — إلى مخزن للمواد المخدرة وبضائع مجهولة المصدر، بينما يقبع الجيران الأبرياء بين فكَّي الرعب والقلق.

انتشر المنشور كالنار في الهشيم، وتناقلته الأيدي الإلكترونية من صفحة إلى صفحة، ومن مجموعة إلى مجموعة، حتى وصل إلى ما لم يتوقعه صاحبه: عيون الأجهزة الأمنية.

حين تتحرك الدولة قبل أن يجفّ الحبر

لم تمرّ ساعات طويلة حتى رصدت مديرية أمن القليوبية ذلك المنشور المُثير، فتحركت قوة أمنية على الفور، لا لتجاهله أو التهوين منه، بل لفحص الواقعة بعيون المحترفين لا بعيون المتفرجين.

وكانت الخطوة الأولى: تحديد هوية من أشعل هذا الفتيل الرقمي.

وجاء الطالب أمام المحققين، فبدت على وجهه علامات من لم يتوقع أن تطال يده القانون بهذه السرعة. وحين فُتح له باب الحديث، بدأت الحقيقة تختلف شيئاً فشيئاً عن رواية المنشور الأصلية.

الحقيقة التي كانت أبسط مما تخيّل

لم تكن هناك مخدرات. لم تكن هناك بضائع مشبوهة. لم يكن هناك "وكر" بالمعنى الذي رسمه المنشور في أذهان القراء.

ما كان هناك، في الحقيقة، هو رجلان يعملان في جمع القمامة والمخلفات، يسكنان تلك الشقة، ويُكدّسان ما يجمعانه من "روبابيكيا" داخل جدرانها وأمام مدخلها، حتى باتت الروائح الكريهة تملأ أرجاء العمارة وتسرق من ساكنيها راحتهم ونقاء هوائهم.

اعترف الطالب بأنه لم يرَ بعينيه أي تعاطٍ للمخدرات، وأن كل ما شاهده هو أن الرجلين كانا في "حالة عدم اتزان"، فقفز بخياله إلى أبعد مما رأت عيناه، وصبّ ما في ذهنه في منشور هزّ القليوبية الآن وأثار موجة من الهواجس في نفوس المتابعين.

المواجهة الأخيرة.. والحقيقة الكاملة

توجّه رجال المباحث بعد ذلك إلى "المشكو في حقهما"، فوجدوا أمامهم رجلين من عمال جمع المخلفات، سبق أن احتكّا بالسجلات الجنائية في ماضيهما، غير أن مكان سكنهما جاء خالياً تماماً من أي أثر لنشاط إجرامي يتعلق بالمخدرات، فلم يجد المحققون سوى ما وصفه الطالب في لحظة صدقه النادرة: روائح ومخلفات وفوضى.

أقرّ الرجلان بما كانا يفعلانه، وأكدا أنهما توقفا عن تكديس المخلفات فور أن ضاق الجيران ذرعاً وطالبوهم بالتوقف، واستُكملت الإجراءات القانونية اللازمة، وأُخذت منهما التعهدات بعدم تكرار ما أفسد على الجيران هواءهم وسكينتهم.

درس يستحق أن يُقرأ بتمعّن

تنطوي هذه القصة على أكثر من مجرد "سوء فهم" أو "مبالغة عفوية". إنها صورة حيّة لما يمكن أن يُحدثه منشور واحد مكتوب في لحظة انفعال، بلا تثبّت ولا دليل، من اضطراب في الأمن المجتمعي وترويع للأبرياء وتضخيم لحادثة لا تعدو كونها مخالفة بيئية.

والرسالة التي تحملها الأجهزة الأمنية في مديرية أمن القليوبية واضحة لا تحتاج إلى تفسير: العين الأمنية لا تنام، وهي تتابع ما يُنشر بنفس الجدية التي تتابع به البلاغات الرسمية. لكنها تتابع أيضاً من يُطلق الادعاءات جزافاً ويُشعل الرأي العام بكلمات لا تستند إلى وقائع.

فالسوشيال ميديا ليست فضاءً بلا مسؤولية، والكلمة المكتوبة — حين تُطلق دون تحقق — قد تكون أشد فتكاً من صمت المجرمين الحقيقيين.