اللواء د. رضا فرحات يكتب .. القليوبية كما رأيتها

اللواء رضا فرحات

اللواء رضا فرحات

د. رضا فرحات

حين أغلق دفتر الذكريات على فترة ولايتي كمحافظ للقليوبية، لا أرى أمامي أرقاما أو إحصاءات، بل أرى وجوها حية و أسمع أصواتا ما زالت تتردد في الذاكرة، وأشعر بنبض مكان لم يكن مجرد موقع إداري، بل تجربة إنسانية ومعيشة كاملة، فكانت تلك المرحلة بالنسبة لي رحلة استكشافية عميقة في أعماق النسيج الاجتماعي لمحافظة تتداخل فيها الطبقات والأنماط الحياتية بصورة شديدة الثراء والتعقيد، حيث يمتزج الريف بالحضر بانسجام وتلتقي الصناعة بالزراعة في مشهد يعكس جوهر الاقتصاد المصري المتنوع، بينما يظل التاريخ حاضرا بثقله وامتداده، ويزاحمه في الوقت نفسه إيقاع الحداثة المتسارع الذي يعيد تشكيل المكان باستمرار.

 القليوبية لم تكن بالنسبة لي مساحة جغرافية تدار من منظور تقليدي، بل كانت كيانا حيا يتنفس ويتغير، ويكشف عن نفسه تدريجيا لمن يقترب منه بصدق، في كل قرية ومدينة وحي، كانت هناك قصة مختلفة، وتفصيلة صغيرة تحمل دلالة أكبر من حجمها، وتكشف عن طبيعة مجتمع لا يمكن اختزاله في وصف سريع أو قراءة سطحية، هناك دائما ما هو أعمق من الظاهر، وما يحتاج إلى تأمل وصبر لفهمه واستيعابه. 

ومع مرور الوقت، أصبحت التجربة أقرب إلى لوحة واسعة، تتجاور فيها العناصر المختلفة دون أن تفقد تماسكها الداخلي، كل جزء فيها يحمل ملامحه الخاصة، لكنه في النهاية يندمج داخل صورة كلية تعكس تنوعا ثريا، وتناقضات لا تنفصل عن بعضها، بل تكمل بعضها البعض بطريقة معقدة وجميلة في آن واحد، هذه اللوحة لم تكن ثابتة، بل كانت في حالة إعادة تشكيل مستمرة، تتغير مع كل يوم جديد، ومع كل تطور يطرأ على حياة الناس هناك. 

أتذكر جيدا تلك الجولات الميدانية التي كانت تبدأ قبل شروق الشمس، كنت أمشي بين الأسواق الشعبية، وأتوقف عند أكشاك الباعة المتجولين، لأستمع إلى همومهم اليومية، وكان التحدي الأكبر هو كيفية الموازنة بين الاحتياجات الهائلة للسكان، والموارد المحدودة، كيف نبني مدرسة جديدة بينما الطرق تحتاج إلى صيانة؟ وكيف نطور المستشفيات بينما شبكات الصرف الصحي تتطلب تحديثا؟ كانت هذه المعضلات تتطلب تفكيرا إبداعيا، وتعاونا وثيقا مع الأجهزة التنفيذية والمجتمع المدني، اكتشفنا أن الحل ليس دائما في المال، بل في الإدارة الرشيدة، وفي إشراك المواطنين في عملية التنمية.

 لكن ما يبقى راسخا في الذاكرة، ليس المشاريع الخرسانية فحسب، بل اللحظات الإنسانية الصغيرةؤ أتذكر ابتسامة طفل دخل مدرسة مجددة لأول مرة، وفرحة مريض تلقى رعاية لائقة في مستشفى تم تطويره، ودموع فرح شاب وجد عملا في مصنع جديد، هذه المشاعر هي الوقود الحقيقي الذي يدفع عجلة التقدم، فهي تذكرنا بأن الهدف النهائي للتنمية هو الإنسان، وكرامته، وسعادته. 

اللغة الادبية قد تبدو غريبة في سياق الحديث عن الادارة المحلية، لكنها الأقدر على وصف العمق الانساني للتجربة، فالقليوبية كانت قصيدة مكتوبة بحبر العرق والامل، كانت ارضا تعلمنا أن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد للنجاح، واليوم، وانا أراقب المحافظة من خارج دائرة المسؤولية المباشرة، أشعر بالفخر بما تحقق، و مطمئن لأن ابناء القليوبية يمتلكون ارادة صلبة، وقدرة على التكيف والابتكار. 

لقد تركت المنصب، لكني لم اغادر القليوبية فهي جزء من كياني، وذكرياتي فيها ليست مجرد أحداث ماضية، بل هي دروس مستمرة في الحياة والقيادة والإنسانية و في النهاية، تبقى الرسالة الأهم: أن القيمة الحقيقية لأي مسؤول لا تقاس بما يتركه من مشروعات فقط، بل بما يرسخه من ثقة، وما يخلفه من أثر إنساني يشعر به الناس في حياتهم اليومية، حتى بعد انتهاء موقع المسؤولية.