بين تربة القليوبية وعيون الصين.. "مشتهر" ترسم مستقبل الزراعة بالبيولوجيا الجزيئية

جامعة بنها

جامعة بنها

احمد عواد

في قلب "مشتهر"، حيث تختلط أصالة الأرض بعراقة العلم، لم يكن يوماً عادياً في أروقة كلية الزراعة بجامعة بنها. لم تكن مجرد ورشة عمل عابرة، بل كانت جسراً علمياً امتد من سور الصين العظيم ليحط رحاله في طمي النيل، حيث اجتمع شغف الباحثين المصريين بخبرة عالمية صينية لكشف أسرار الكائنات الدقيقة التي تسكن تربتنا.

حين تتحدث التربة لغة "النانو"

تحت رعاية الأستاذ الدكتور ناصر الجيزاوي، رئيس جامعة بنها، وفي رحاب المؤتمر السنوي الخامس للدراسات العليا في العلوم التطبيقية، تحولت المعامل إلى خلايا نحل لا تهدأ. كان المشهد مهيباً؛ طلاب في مقتبل العمر يلتفون حول البروفيسور Sun Ming، أحد أيقونات الميكروبيولوجيا الزراعية بجامعة وسط الصين الزراعية.

لم يكن "مينج" ينقل مجرد نظريات، بل كان يفتح آفاقاً جديدة لعزل بكتيريا Bacillus thuringiensis من عينات التربة المصرية، تلك البكتيريا التي تحمل في طياتها حلولاً سحرية للآفات الزراعية، بعيداً عن الكيماويات الضارة.

دقة صينية بأيدٍ مصرية

بينما يتابع فريق "القليوبية الآن" كواليس هذا الحدث، كان التدريب العملي هو سيد الموقف. لم يكتفِ الطلاب بالمشاهدة، بل انخرطوا في تجارب حية، ممسكين بأدواتهم الدقيقة تحت إشراف الفريق البحثي الصيني. كانت لحظات تداخلت فيها التقنيات الجزيئية الحديثة مع طموح الشباب، لتمتزج الخبرة الصينية العميقة بروح الابتكار المصرية.

"إننا لا نعزل بكتيريا فحسب، بل نعزل الجهل عن العلم، ونبني جيلاً قادراً على مواكبة الثورات البيولوجية العالمية."

— مقتبس من روح الفعالية

استثمار في العقول قبل الأرض

تأتي هذه الورشة كجزء من رؤية استراتيجية لجامعة بنها، تهدف إلى:

تطوير مهارات الباحثين: من خلال الاحتكاك المباشر مع قامات علمية دولية.

دعم البحث العلمي التطبيقي: الذي يخدم البيئة المحلية ويقدم حلولاً واقعية للمزارع المصري.

تعزيز التعاون الدولي: وفتح أبواب التبادل المعرفي مع كبرى الجامعات العالمية كجامعة وسط الصين.

إن ما شهدته كلية الزراعة بمشتهر هو رسالة واضحة بأن البحث العلمي في مصر لم يعد حبيس الكتب، بل أصبح تجربة حية تنبض في المعامل، وتستعد للخروج إلى الحقول لتصنع مستقبلاً زراعياً أكثر استدامة وأماناً. ومع انتهاء الورشة، لم يغادر البروفيسور "مينج" وفريقه إلا وقد تركوا وراءهم بذوراً لعلم حديث، ستثمر يوماً ما في كل شبر من أرض مصر.