في آخر الشارع الضيق كان يجلس عم راضي كل ليلة أمام دكانه الصغير.. كرسي خشبي قديم ولمبة صفراء تنير المكان وراديو عتيق يخرج صوتاً متقطعا لأغاني الزمن الجميل.
كان الجميع يمرون أمامه بسرعة .. موظفون عائدون من العمل .. طلاب يحملون هواتفهم .. أطفال يركضون خلف الكرة.. ولا أحد ينتبه لذلك الرجل الذي تجاوز السبعين .. إلا حين يحتاجون شراء شيء سريع.
وفي أحد الأيام انقطع التيار الكهربائي عن المنطقة كلها. .. واختفت أصوات الهواتف والإنترنت والتلفزيون.
وخرج الناس إلى الشارع لأول مرة منذ شهور
جلسوا أمام البيوت يتحدثون وينظرون لبعضهم وكأنهم يتعرفون على وجوه جديدة.
كان عم راضي الوحيد الذي يبتسم .. أشعل فانوسا قديما ووضعه أمام الدكان ثم بدأ يحكي حكاياته المعتادة.
حكى عن أيام السينما القديمة .. وعن أول راتب قبضه في حياته.. وعن رسالة حب ظل محتفظا بها أربعين عاما داخل درج خشبي صغير.
تجمع الأطفال حوله وجلس الشباب يستمعون في هدوء حتى الرجال الذين كانوا يمرون مسرعين كل يوم جلسوا بجواره يضحكون من قلبهم.
مرت ساعات طويلة دون أن يشعر أحد بالملل .. وكأن الكهرباء حين انقطعت أعادت شيئا آخر كان غائبا منذ سنوات. .وقبل عودة النور بدقائق نظر عم راضي إلى الوجوه الملتفة حوله وقال:
الغريب إن الناس زمان كانت تقعد مع بعضها علشان تنسى همومها.. ودلوقتي كل واحد قاعد لوحده ومعاه ألف حاجة تسليه وبرضه حزين.
عاد التيار فجأة .…
أضاءت الشاشات من جديد .. واختفت الوجوه واحدا تلو الآخر. وعاد الشارع كما كان سريعا باردا مزدحما.
أما عم راضي فظل جالسا أمام دكانه الصغير ينظر إلى الكرسي الفارغ بجواره ويبتسم في هدوء كأنه عرف أن العطل الحقيقي لم يكن في الكهرباء أبدا.