في آخر الحارة القديمة كان هناك بيت صغير تعلو جدرانه آثار الزمن وبابه الخشبي لا يغلق جيدا وكان يعيش فيه رجل عجوز اسمه عم نعمان لا أحد يعرف عمره الحقيقي ولا أحد يتذكر متى جاء إلى المكان.
لكن الجميع كانوا يعرفون شيئا واحدا فقط
أن الرجل لا يتحدث كثيرا وكأنه يحمل بداخله حكاية أكبر من الكلمات.
كل صباح كان يخرج قبل شروق الشمس بدقائق
يرتدي جلبابا رماديا قديما ويحمل حقيبة جلدية باهتة .. ثم يسير ببطء في الشارع الطويل
.. الأطفال كانوا يراقبونه من النوافذ
و.. الباعة يلقون عليه السلام دون أن ينتظروا ردا.
أما هو فكان يكتفي بابتسامة خفيفة ثم يكمل طريقه.
وفي منتصف الحارة كان يوجد عمود إنارة قديم لا يعمل منذ سنوات .. ورغم شكاوى الناس الكثيرة لم يهتم أحد بإصلاحه.
الغريب أن سكان الحارة كانوا يستيقظون أحيانا في الليل ليجدوا المكان مضاءً للحظات ثم يعود الظلام مرة أخرى.
فظن البعض أن الكهرباء تعود بشكل مؤقت
لكن الحقيقة لم تكن كذلك.
ففي إحدى الليالي سمع الطفل كريم صوت حركة خارج المنزل .. فتح النافذة بهدوء فرأى عم نعمان يقف أسفل عمود الإنارة ممسكا بمصباح صغير وبطارية قديمة ..فكان يعلق المصباح كل ليلة فوق العمود حتى لا يسير الناس في الظلام .. ثم ينزله قبل الفجر ويعود إلى بيته دون أن يراه أحد.
انتشر الخبر في الحارة بسرعة وبدأ الناس ينظرون للرجل بطريقة مختلفة .. لكن عم نعمان ظل كما هو هادئا وصامتا .. وكأن الأمر لا يستحق الحديث.
بعد أيام هطلت أمطار شديدة وغرقت الشوارع بالمياه وانقطعت الكهرباء عن المنطقة بالكامل
وأصبحت الحارة غارقة في ظلام مخيف
الأطفال يبكون .. والنساء يقفن خلف الأبواب بقلق.. والرجال يحاولون إشعال هواتفهم لإضاءة الطريق.
وفجأة ظهر عم نعمان يحمل عدة مصابيح صغيرة كان يوزعها على البيوت واحدا تلو الآخر
ثم وقف وسط الشارع يطمئن الناس ويطلب منهم ألا يخافوا.
لأول مرة يسمعون صوته بوضوح .. كان صوته هادئًا لكنه مليء بالطمأنينة.
وفي أثناء الفوضى اكتشف الجميع أن منزل أم حسن العجوز امتلأ بالمياه وأنها لا تستطيع الحركة .. ركض الشباب نحو البيت. لكن المياه كانت مرتفعة والطريق صعب قبل أن يتحرك أحد وجدوا عم نعمان يدخل وحده وسط المياه
.. اختفى دقائق طويلة ثم خرج يحمل السيدة العجوز على كتفيه وكأن عمره عشرون عاما لا سبعون. . صفق الناس له بحرارة .. لكن الرجل لم ينظر لأحد.
أعاد السيدة إلى منزل جارتها ثم جلس على الرصيف يتنفس بصعوبة .. اقترب منه شاب من أهل الحارة وسأله..
ليه بتساعد الناس كلها وانت عايش لوحدك ومحدش بيسأل عنك؟
رفع عم نعمان عينيه ببطء وقال أصل اللي يعرف معنى الوحدة كويس عمره ما يسيب حد يحس بيها.
سكت الجميع بعد الجملة .. وكأن الكلمات وقعت على القلوب مباشرة.
بعد تلك الليلة تغيرت الحارة كلها
صار الناس يزورون بعضهم أكثر
الأطفال يجلسون مع الكبار
والجيران يتقاسمون الطعام في المناسبات
حتى عمود الإنارة القديم تم إصلاحه أخيرا
أما عم نعمان فأصبح له مكان ثابت كل مساء أمام البيوت
يجلس حوله الأطفال ليستمعوا إلى حكاياته القديمة .. وكان يبتسم لأول مرة ابتسامة كاملة كأن الحارة أعادت إليه شيئا ضاع منه منذ سنوات طويلة.
وفي صباح شتوي هادئ لم يخرج عم نعمان كعادته .. انتظر الناس ظهوره طويلًا لكنه لم يأت .. طرقوا بابه فلم يرد أحد.. دخلوا المنزل فوجدوه جالسا على كرسيه الخشبي الصغير وعيناه مغمضتان وملامحه هادئة جدا وكأنه نام أخيرا بعد تعب عمر كامل.
بكى أهل الحارة عليه كما لم يبكوا على أحد من قبل .. ولأول مرة شعروا أن الشارع صار أضيق وأن الليل أصبح أكثر برودة.
مر الوقت .. لكن أحدا لم ينس الرجل الذي كان يسبق الضوء كل ليلة ..
الرجل الذي لم يملك مالا ولا جاها
لكنه ترك في قلوب الناس نورا أكبر من أي مصباح.