باسوس.. تيوان مصر الضائعة التي تنتظر من يُعيد اكتشافها في القليوبية

باسوس

باسوس

احمد عواد

في زاوية من زوايا الخريطة المصرية التي لا تحظى بما تستحقه من اهتمام، تجلس باسوس بصمت العارف بقيمته؛ قرية صغيرة تقع في محافظة القليوبية، لكنها تحمل في باطن أرضها أسراراً حضارية تجعلها واحدة من أثمن البقاع الأثرية في مصر كلها. إنها تيوان في لسان الفراعنة، وباسوس في لسان العرب، وكلاهما اسمان لمكان يستحق أن يُكتب عنه بحبر الذهب.

الموقع.. قرية بين النيل والتاريخ

تقع باسوس في مركز قليوب بمحافظة القليوبية، على مقربة من النيل الذي كان شريان الحياة الأول للحضارة الفرعونية. وهذا الموقع الجغرافي المتميز لم يكن محض صدفة؛ فالفراعنة كانوا يختارون أماكن مدنهم ومعابدهم باحتراف المهندس وحكمة الكاهن، وباسوس لم تكن استثناءً من هذه القاعدة.

ويحرص موقع القليوبية الآن على تسليط الضوء على هذا الكنز الأثري المدفون في أرض القليوبية، إيماناً بأن التراث ليس ماضياً يُحفظ في الأدراج، بل هوية حية تستحق أن يعرفها كل أبناء المحافظة والزائرين إليها.

تيوان الفرعونية.. مدينة الإله أتوم

عرفت باسوس في العصر الفرعوني باسم تيوان، وكانت مدينة ذات ثقل ديني وحضاري بالغ؛ إذ ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بعبادة الإله أتوم، إله الخلق والكمال في الميثولوجيا المصرية القديمة. وقد كانت تيوان مركزاً دينياً مهماً في منطقة الدلتا، تضم معابد ومنشآت تعكس عظمة الحضارة الفرعونية في أوج ازدهارها.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن المدينة عاشت فترات ازدهار متعاقبة امتدت عبر عصور فرعونية مختلفة، مما يعني أن طبقاتها الأثرية تحمل في داخلها حكايات متراكمة تنتظر من يفكّ شيفرتها.

الاسم.. رحلة عبر اللغات والحضارات

من تيوان الفرعونية إلى باسوس العربية، مرّ الاسم بمحطات لغوية عدة تعكس تعاقب الحضارات على هذه البقعة المباركة. فقد عرفها الإغريق باسم مختلف، وأطلق عليها العرب الفاتحون اسم باسوس الذي لا يزال يتردد على ألسنة أهلها حتى اليوم، في استمرارية تُثبت أن الأسماء أحياناً تكون أطول عمراً من الحجارة ذاتها.

الاكتشافات الأثرية.. كنوز تحت الأقدام

لم تُسلّم باسوس أسرارها بسهولة، لكنها كشفت عن بعضها لمن صبر وحفر؛ إذ أسفرت أعمال التنقيب الأثري في المنطقة عن اكتشافات مثيرة تشمل بقايا معمارية ومنشآت دينية وتماثيل ولقى أثرية تعود إلى عصور فرعونية مختلفة. وقد كشفت هذه الاكتشافات أن باسوس لم تكن مجرد قرية عادية، بل كانت مركزاً حضارياً حقيقياً تتشابك فيه خيوط السياسة والدين والتجارة في العالم القديم.

وتمثل هذه الاكتشافات كنزاً علمياً نفيساً يستقطب اهتمام علماء الآثار والمصريات من شتى أنحاء العالم، الذين يرون في باسوس موقعاً أثرياً لم يُكشف عن كامل إمكاناته بعد.

باسوس اليوم.. بين الإهمال والأمل

على الرغم من ثرائها الأثري الاستثنائي، تعيش باسوس اليوم في ظل إهمال نسبي لا يتناسب مع قيمتها الحضارية؛ فالموقع لا يحظى بالاهتمام السياحي الذي يستحقه، ولا بالحماية الكافية التي تصون كنوزه من عوامل الزمن والتعدي. وهو ما يدفع المهتمين بالتراث إلى المطالبة بإيلاء هذا الموقع الفريد الاهتمام اللائق به، سواء من حيث التنقيب العلمي المنهجي أو التحويل إلى وجهة سياحية أثرية تُدرّ عائداً على محافظة القليوبية وتُعرّف العالم بحضارة أجدادنا.

باسوس في عيون أبنائها

لمن وُلد في باسوس أو نشأ على ترابها، الأمر مختلف تماماً؛ فهم لا يرون مجرد أرض زراعية أو قرية هادئة، بل يحملون في وجدانهم إحساساً غامضاً بأنهم يسيرون فوق تاريخ عظيم. وكثيراً ما يحكي كبار السن عن قطع أثرية عُثر عليها بالصدفة أثناء الحرث أو البناء، مما يؤكد أن باطن هذه الأرض لا يزال يخفي الكثير مما لم تصله يد العلم بعد.

القليوبية تستحق أن تعرف كنوزها

باسوس ليست مجرد قرية في سجلات المحافظة؛ بل هي شاهد حي على أن أرض القليوبية كانت في يوم ما قلباً نابضاً من قلوب الحضارة الإنسانية. وما يُؤسف له أن كثيراً من أبناء القليوبية أنفسهم لا يعرفون هذا الكنز الموجود بين ظهرانيهم.

ولهذا يواصل موقع القليوبية الآن مهمته في تسليط الضوء على كل ما يجعل هذه المحافظة العظيمة استثنائية، من حاضرها المتجدد إلى ماضيها العريق الذي تحتضنه أرض باسوس منذ آلاف السنين.