مشتهر.. القرية التي تحمل في ترابها أسرار الفراعنة وتُطعم مصر من حقولها الذهبية

 مشتهر.. قرية في قلب القليوبية

مشتهر.. قرية في قلب القليوبية

احمد عواد

في قلب محافظة القليوبية، وعلى مسافة لا تبعد كثيراً عن صخب القاهرة، تجلس قرية مشتهر بهدوء من يعرف قيمة نفسه جيداً؛ قرية لا تصخب ولا تتباهى، لكنها تحمل في ترابها طبقات من التاريخ تتراكم منذ آلاف السنين، وتُطعم مصر من حقولها الخضراء الممتدة حتى يلتقي الأفق بالسماء.

الاسم.. حكاية قبل التاريخ

لا يمر المرء على اسم مشتهر دون أن يتوقف؛ فهو اسم يحمل في طياته دلالة عميقة تشير إلى الشهرة والذيوع، كأن أجداد هذه القرية أرادوا منذ البداية أن يقولوا للعالم: نحن هنا، ولنا حضور لا يُنكر. وتتعدد الروايات حول أصل التسمية بين من يربطها بالحضارة الفرعونية القديمة وبين من يرجعها إلى العصر الإسلامي، لكنها جميعاً تتفق على شيء واحد: مشتهر لم تكن يوماً قرية عادية.

جذور فرعونية.. وأرض شهدت الحضارات

يحرص موقع القليوبية الآن على تسليط الضوء على الإرث التاريخي العميق لقرية مشتهر، التي تقع في منطقة كانت تضج بالحياة الحضارية منذ عصر الفراعنة؛ إذ تشير الدراسات الأثرية إلى أن منطقة مشتهر وما يحيط بها من أراضي القليوبية كانت جزءاً من الحزام الحضاري الخصيب الذي نشأت على أطرافه مدن ومعابد وقرى فرعونية عريقة.

وقد تعاقبت على هذه الأرض الطيبة حضارات متعددة؛ من الفراعنة الذين رأوا في خصوبة تربتها نعمة من الآلهة، إلى الرومان الذين عرفوا قيمة موقعها الاستراتيجي، وصولاً إلى الفتح الإسلامي الذي أضفى عليها طابعاً روحياً وحضارياً جديداً.

الموقع الجغرافي.. نعمة كتبها النيل

لا يمكن فهم تاريخ مشتهر بمعزل عن موقعها الجغرافي المتميز؛ إذ تقع في قلب محافظة القليوبية في منطقة دلتا النيل الخصيبة، حيث كانت مياه النيل تروي الأرض وتمنحها خصوبة لا مثيل لها. وهذا الموقع هو السر الأول في فهم لماذا استوطن الإنسان هذه البقعة منذ فجر التاريخ، ولماذا ظلت مشتهر على مر العصور قبلةً للزراعة والعمران.

وتمتد أراضي مشتهر الزراعية على مساحات شاسعة تتنوع محاصيلها بين القمح والأرز وسائر المحاصيل الاستراتيجية، مما جعلها واحدة من أهم الرقع الزراعية في محافظة القليوبية على مر العصور.

مشتهر الإسلامية.. روح تسكن المكان

مع الفتح الإسلامي لمصر، دخلت مشتهر مرحلة جديدة من تاريخها؛ إذ باتت جزءاً من المنظومة الحضارية الإسلامية التي غيّرت وجه مصر إلى الأبد. وشهدت القرية في العصور الإسلامية المتعاقبة بناء المساجد والزوايا التي لا تزال بعض معالمها شاهدة على عمق الهوية الإسلامية التي تشرّبتها أرض مشتهر وأهلها جيلاً بعد جيل.

وارتبطت مشتهر في الوجدان الشعبي لأبناء القليوبية بقيم الأصالة والتدين والتمسك بالموروث الثقافي والاجتماعي، مما جعلها نموذجاً للقرية المصرية التي تجمع بين عراقة الماضي وحيوية الحاضر.

كلية الزراعة.. حين يتزوج العلم من الأرض

لا يمكن الحديث عن مشتهر اليوم دون الإشارة إلى كلية الزراعة بمشتهر التابعة لجامعة بنها، التي باتت علامة فارقة في هوية القرية ومصدر فخر حقيقي لأبنائها وأبناء القليوبية جميعاً. فهذه الكلية التي نشأت على أرض مشتهر الخصيبة لم تأتِ بالصدفة؛ بل جاءت تتويجاً طبيعياً لتاريخ زراعي عريق، كأن الأرض اختارت أن يكون العلم امتداداً لما زرعه الأجداد.

وتضم الكلية مزارع إنتاجية حقيقية تُطبّق فيها أحدث الأساليب العلمية في الزراعة، وتُنتج محاصيل استراتيجية تُسهم في تعزيز الأمن الغذائي لمصر، في نموذج يُثبت أن العلم حين ينزل إلى التراب يُنتج معجزات.

مشتهر اليوم.. قرية تتجدد دون أن تنسى

في زمن يتسارع فيه إيقاع الحياة ويتغير فيه وجه القرى المصرية، تسير مشتهر بخطى واثقة نحو المستقبل دون أن تتنكر لماضيها؛ فهي اليوم قرية تجمع بين الحقل والكلية الجامعية، بين الموروث الشعبي والتطور التقني، بين أبناء يفلحون الأرض وأبناء يدرسون أسرارها في المختبرات.

ويواصل موقع القليوبية الآن رصد كل ما يتعلق بمشتهر وتاريخها وحاضرها، إيماناً بأن معرفة جذورنا هي البوصلة التي تُحدد اتجاه مستقبلنا، وأن قرية كمشتهر تستحق أن تُروى حكايتها كاملة لكل من يريد أن يفهم روح القليوبية الأصيلة.

وفي نهاية المطاف، مشتهر ليست مجرد نقطة على الخريطة؛ بل هي فصل كامل في كتاب القليوبية الكبير، فصل كُتب بمداد التراب والماء والإرادة، ولا يزال يُكتب حتى اليوم.