النائب حسن عمر حسنين يكتب ... حين تتحول المنصات من مساحة للتواصل إلى وقود للكراهية

النائب حسن عمر حسنين

النائب حسن عمر حسنين

لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو مساحة عابرة لتبادل الصور والأخبار والآراء، بل أصبحت اليوم قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وصناعة المزاج المجتمعي، وتوجيه الرأي، وبناء الثقة أو هدمها، هي سلاح ناعم في يد من يحسن استخدامه، وسلاح شديد الخطورة في يد من يسيء التعامل معه، وبين الاستخدام الواعي والاستخدام المنفلت، يقف المجتمع أمام تحدٍّ حقيقي لا يقل خطورة عن أي تهديد مباشر، لأن الكلمة حين تفلت من ضمير صاحبها، تتحول إلى رصاصة معنوية تصيب الأفراد، وتخدش العلاقات، وتفتح أبواب الكراهية والفتنة والتشكيك.

لقد منحت السوشيال ميديا كل إنسان منبرًا، وهذه في ظاهرها نعمة كبيرة، لكنها في حقيقتها مسؤولية أكبر، فالمنبر لم يعد حكرًا على صاحب علم أو تجربة أو اختصاص، بل صار متاحًا للجميع؛ لمن يكتب بعقل، ولمن يهاجم بانفعال، ولمن ينشر بوعي، ولمن يشارك دون تحقق، وهنا تبدأ الأزمة، حين تختلط حرية التعبير بالفوضى، والنقد بالإساءة، والاختلاف بالتخوين، والرأي الشخصي بإطلاق الأحكام الجارحة على الناس والمؤسسات والمجتمعات.

إن أخطر ما يواجه المجتمع اليوم ليس مجرد منشور عابر أو تعليق غاضب، بل تلك الحالة العامة التي تجعل البعض يتعامل مع السوشيال ميديا كمساحة مفتوحة للانتقام، وتصفية الحسابات، ونشر الشائعات، والسخرية من الآخرين، والاعتداء اللفظي عليهم دون إدراك لحجم الأثر النفسي والاجتماعي الذي قد تتركه كلمة غير مسؤولة... فكثير من الأزمات تبدأ بجملة، وكثير من الخصومات تشتعل بتعليق، وكثير من السمعة تُهدم بصورة مبتورة أو خبر غير موثق.

ولا يمكن تجاهل أن خطاب الكراهية يجد في السوشيال ميديا بيئة سهلة للانتشار، لأنه يعتمد على الإثارة والانفعال والتعميم، ويغذي مشاعر الغضب والخوف والتمييز، وحين يتكرر هذا الخطاب، يصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام، وأكثر استعدادًا لسوء الظن، وأقل قدرة على الحوار الهادئ، ومن هنا تتحول المنصات من وسيلة للتقارب إلى ساحات اشتباك، ومن فرصة للتنوير إلى مساحة لإنتاج العداوة.

إن الكراهية لا تبدأ دائمًا بصوت عالٍ، فقد تبدأ بسخرية من فئة، أو تحقير لمنطقة، أو تشويه لشخص، أو اتهام بلا دليل، أو نشر خبر دون مراجعة، ومع الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى ثقافة يومية تضعف المناعة الأخلاقية للمجتمع، وتجعل العنف اللفظي أمرًا معتادًا، وتخلق أجيالًا ترى في الإساءة شجاعة، وفي التنمر خفة دم، وفي التشهير بطولة، وفي نشر الشائعة سبقًا إعلاميًا.

والأزمة الأكبر أن البعض يظن أن ما يكتبه خلف شاشة هاتفه لا يترك أثرًا، أو أن العالم الافتراضي منفصل عن الواقع، بينما الحقيقة أن ما يحدث على السوشيال ميديا ينعكس مباشرة على الشارع والبيت والمدرسة والعمل، فالكلمة التي تُكتب في لحظة غضب قد تزرع خوفًا في قلب أسرة، وقد تؤثر على مستقبل شخص، وقد تهدم علاقة، وقد تشعل خلافًا بين عائلات أو مناطق أو فئات اجتماعية.

ومن هنا، يصبح الوعي الرقمي ضرورة وطنية ومجتمعية، وليس مجرد رفاهية أو نصيحة أخلاقية ... يا سادة نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الحرية على المنصات الرقمية؛ فالحرية لا تعني أن نجرح، ولا أن نشهّر، ولا أن نكذب، ولا أن نختزل الناس في اتهامات قاسية، فالحرية الحقيقية أن تقول رأيك بوضوح دون أن تهين، وأن تنتقد دون أن تهدم، وأن تختلف دون أن تكره، وأن تمتلك الشجاعة الكافية للاعتذار إذا أخطأت.

كما أن مواجهة سوء استخدام السوشيال ميديا لا تكون بالمنع وحده، بل ببناء وعي قادر على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين النقد والتحريض، وبين المعلومة والرأي، وبين حرية التعبير وخطاب الكراهية، فالمجتمع القوي لا يخاف من الاختلاف، لكنه يرفض الفوضى التي ترتدي ثوب الاختلاف... والدولة القوية لا تخشى الرأي، لكنها تحمي مواطنيها من الكذب والتحريض والتشهير.

وتقع المسؤولية هنا على الجميع؛ على الأسرة التي يجب أن تربي أبناءها على احترام الآخر قبل أن تمنحهم هاتفًا متصلًا بالعالم، وعلى المدرسة والجامعة اللتين يجب أن تجعلا التربية الرقمية جزءًا من بناء الشخصية، وعلى الإعلام الذي يجب أن يقدم نموذجًا مهنيًا في التحقق قبل النشر، وعلى صناع المحتوى الذين يحملون مسؤولية مضاعفة لأن كلماتهم تصل إلى آلاف وربما ملايين الناس.

كذلك، يجب على كل مستخدم للسوشيال ميديا أن يسأل نفسه قبل أن يكتب أو يشارك: هل ما أنشره صحيح؟ هل يظلم أحدًا؟ هل يزرع كراهية؟ هل أملك دليلًا؟ هل سأقبل أن يُقال هذا الكلام عني أو عن أسرتي؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كثيرًا من الأذى، وقد تنقذ المجتمع من موجات متكررة من الغضب والانقسام.

إن السوشيال ميديا في ذاتها ليست خطرًا، بل الخطر في سوء استخدامها، فهي قادرة أن تكون منصة للعلم، والتوعية، والخير، والتكافل، وكشف الحقائق، ودعم المبادرات، ونشر الجمال والمعرفة، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى سوق مفتوح للشائعات، ومسرح للتنمر، ومصنع للكراهية، إذا غاب الضمير، وتراجعت المسؤولية، وانتصر الانفعال على العقل.

وفي النهاية، يبقى المجتمع مرآة لما يكتبه أفراده، فإذا كانت كلماتنا رحيمة ومسؤولة وواعية، صنعنا فضاءً عامًا أكثر أمنًا واحترامًا، وإذا تركنا المنصات للغضب والكراهية والتشويه، فإننا لا نؤذي الآخرين فقط، بل نهدم جزءًا من إنسانيتنا المشتركة.

إن الكلمة أمانة، والمنشور مسؤولية، والمشاركة موقف، ومن لا يدرك خطورة ما يكتب، قد يشارك دون أن يشعر في صناعة واقع أكثر قسوة، لذلك، فإن حماية المجتمع من خطاب الكراهية تبدأ من إصبع يرفض الضغط على زر النشر قبل أن يحتكم إلى العقل والضمير.