بين أروقة البرلمان ودوائر إعداد التشريعات، لا يُنظر إلى مشروع قانون الأسرة الجديد باعتباره مجرد مواد قانونية تنظم إجراءات التقاضي، بل باعتباره محاولة لإعادة صياغة التوازن داخل الأسرة المصرية، عبر رؤية تشريعية تستهدف إنهاء حالة الصراع الممتد بين أطراف العلاقة الأسرية، من خلال فلسفة قانونية تجعل مصلحة الطفل المرجعية الأساسية، وتدفع نحو تحويل الأسرة من مساحة نزاع مفتوح إلى إطار منظم تحكمه قواعد واضحة وآليات تنفيذ أكثر فاعلية.
ويؤكد عدد من البرلمانيين والخبراء، في تصريحات خاصة، أن مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة يحمل تصورا متكاملا لإعادة تنظيم العلاقة بين أفراد الأسرة، بما يحقق التوازن بين الحقوق والالتزامات، ويحفظ حقوق الأب والأم بصورة متكافئة دون انحياز لطرف على حساب الآخر.
_3030_191844.jpeg)
وترى النائبة فاطمة عادل أن مشروع قانون الأسرة الجديد الذي قدمته الحكومة يتوافق بدرجة كبيرة مع المشروع الذي سبق وتقدمت به، موضحة أنه يقوم على فلسفة تشريعية تستهدف إعادة صياغة العلاقة بين أطراف الأسرة بشكل أكثر توازنا وإنصافا، مع وضع المصلحة الفضلى للطفل في مقدمة الأولويات، إلى جانب الحفاظ على حقوق الأب والأم بصورة عادلة دون الإضرار بأي منهما.
وتوضح عادل أن من أبرز ملامح هذا التوازن استحداث نظام “الاصطحاب” بدلا من “الاستضافة”، باعتباره أكثر دقة وانضباطا من الناحية القانونية، حيث يتم تطبيقه وفق قواعد واضحة تراعي مصلحة الطفل واستقراره النفسي والاجتماعي، لافتة إلى أن المشروع يتضمن كذلك تفعيل دور “شرطة الأسرة” كجهة مختصة بتنفيذ أحكام الاصطحاب والرؤية، بما يشمل تسليم وتسلم الأطفال وضمان تنفيذ الأحكام بشكل فعلي.
كما تشير إلى أن مقترح تحديد سن الحضانة عند تسع سنوات، مع منح القاضي سلطة تقديرية وفقا لظروف كل حالة، يستند إلى فلسفة “تقاسم سنوات الرعاية” بين الأب والأم، بحيث يحصل الطفل على فرصة للعيش مع كل طرف لفترة متوازنة تحقق له تنشئة أكثر استقرارا من الناحية النفسية والاجتماعية، بدلا من الاكتفاء بنظام الرؤية التقليدي.
وتؤكد عادل أهمية إنشاء “صندوق دعم الأسرة” باعتباره آلية لضمان حصول الزوجة والأبناء على النفقة في حالات تعثر الزوج أو تهربه أو حبسه، حيث يتولى الصندوق سداد المستحقات المالية على أن تُسجل كدين على الزوج يتم استرداده لاحقا عند تحسن وضعه المالي، كما أوضحت أن المشروع يعالج أيضا أزمة إثبات الحقوق المالية عبر استحداث “ملحق لعقد الزواج” يتضمن الاتفاق المسبق على المسكن والنفقات والالتزامات المالية، ليصبح وثيقة قانونية قابلة للتنفيذ أمام القضاء، بما يحد من النزاعات المستقبلية ويحقق وضوحا أكبر بين الطرفين منذ بداية العلاقة الزوجية.

من جانبها، تؤكد الدكتورة هبة واصل، الأمين العام لحزب المصريين الأحرار، أن مشروع قانون الأسرة الذي يطرحه الحزب يستند إلى فلسفة تشريعية مختلفة تهدف إلى تحقيق توازن فعلي بين الحقوق والواجبات، دون الانتصار لطرف على حساب الآخر، مشددة على أن مصلحة الأبناء تمثل المحور الأساسي الذي تبنى عليه جميع الأحكام والإجراءات، باعتبارهم الطرف الأكثر تأثرا بأي اضطراب داخل الأسرة.
وتوضح واصل أن القانون لا ينظر إلى الأسرة باعتبارها ساحة خصومة، وإنما باعتبارها كيانا ينبغي الحفاظ عليه قبل الوصول إلى مرحلة الانفصال، وهو ما ينعكس في تبني مفهوم “الوقاية قبل النزاع” إلى جانب فكرة “التنفيذ الفعال”، مشيرة إلى أن من أبرز أدوات هذه الفلسفة “ملحق عقد الزواج” الذي طرحه وزير العدل، باعتباره وسيلة لتنظيم العلاقة منذ بدايتها عبر الاتفاق المسبق على المسكن والالتزامات المالية، مع الاعتداد به كوثيقة تنفيذية أمام المحكمة، بما يسهم في حفظ حقوق الأبناء وتقليل النزاعات الممتدة.
وتلفت إلى أن المشروع يرسخ كذلك مبدأ الحفاظ على المستوى المعيشي والتعليمي للأبناء بعد الانفصال، حتى لا يتحملوا آثار الخلافات بين الوالدين، إلى جانب وضع مدد زمنية محددة للفصل في القضايا الأسرية بما يحقق العدالة السريعة، فضلا عن إنشاء منظومة رقابية وتنفيذية داخل محاكم الأسرة تشمل لجان حماية متخصصة وسجلا أسريا رقميا موحدا ومنظومة إلكترونية لتنفيذ الأحكام والحد من التحايل عليها.
وفيما يتعلق بحقوق الطفل، توضح “واصل” أن القانون يقدم تصورا متوازنا لمسؤوليات كل طرف، حيث تظل الحضانة للأم باعتبارها الأقدر على الرعاية اليومية، مع ضمان كامل لحقوقها المتعلقة بإدارة شؤون الطفل وعدم المساس بمسكن الحضانة، في مقابل التزام الأب بالنفقة بجميع عناصرها من تعليم وعلاج ومعيشة ومسكن، مع الحفاظ أيضا على حقه في الرؤية والتواصل المنتظم مع الأبناء من خلال تنظيم قضائي يراعي مصلحة الطفل، مع إمكانية تنظيم “الاصطحاب” أو تقييده إذا ثبت وجود ضرر، تحت إشراف قضائي ولجان مختصة تضع مصلحة الأبناء فوق أي اعتبارات أخرى.
كما تشير الأمين العام لحزب المصريين الأحرار إلى أن القانون وضع آليات للتعامل مع حالات عجز الزوج عن النفقة أو عدم امتلاكه مصدر دخل، من خلال تقدير النفقة وفقا للقدرة المالية الحقيقية عبر الربط الإلكتروني وقواعد البيانات المختلفة لكشف مصادر الدخل غير المعلنة، مع عدم الاعتداد بالادعاءات الصورية، كما يتيح للحاضن الرجوع قانونا بما أنفقه نيابة عن الأب، إلى جانب استحداث “وثيقة التأمين الأسري” كوسيلة توفر دعما ماليا مستقرا للزوجة والأبناء في حالات الطلاق أو الوفاة أو التعثر المالي، مؤكدة أن المشروع لا يمثل مجرد نصوص جامدة، بل إطارا قابلا للتطوير وفق متغيرات المجتمع، يقوم على معادلة واضحة تجمع بين الحقوق والواجبات والتنفيذ الحاسم والرقابة الفاعلة تحت هدف رئيسي هو حماية الأبناء والحفاظ على استقرار الأسرة.
_3030_191924.jpeg)
ويؤكد المهندس ياسر قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، أن مشروع قانون الأسرة الجديد الذي وافق عليه مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي وأحيل إلى مجلس النواب تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة المصرية، من خلال إعادة تنظيم ملف الأحوال الشخصية بصورة أكثر عدالة وفاعلية.
ويشير قورة إلى أن مشروع الحكومة يتقاطع مع رؤية حزب الوفد فيما يتعلق بتحقيق “العدالة الأسرية الناجزة”، حيث تتشابه العديد من المواد بين المشروعين رغم اختلاف الصياغات، بما يعكس وجود توافق تشريعي متزايد بشأن ضرورة إصلاح هذا الملف الحيوي، بما يدعم استقرار الأسرة المصرية ويعزز التوازن بين أطرافها، لافتا إلى أن من أبرز ملامح هذا التوافق الاتجاه إلى تغليب الحلول الودية وتقليل النزاعات القضائية عبر تبسيط الإجراءات والتوسع في التسويات الأسرية، بما يسهم في سرعة الفصل في النزاعات وتقليل الضغوط على المحاكم.
كما يوضح أن المشروع يضع مصلحة الطفل في مقدمة الأولويات باعتبارها الأساس لأي تشريع أسري، مع توفير ضمانات تحميه نفسيا واجتماعيا وتضمن نشأته في بيئة مستقرة بعيدا عن آثار الخلافات بين الوالدين، مضيفا أن القانون يتبنى كذلك وسائل حديثة لتنظيم الرؤية والاستضافة، من بينها الرؤية الإلكترونية باستخدام الوسائل التكنولوجية، بما يضمن استمرار التواصل الإنساني بين الطفل ووالديه بصورة تتماشى مع التطور المجتمعي والتقني.

وتقول نهى الجندي، المتخصصة في قضايا الأسرة، إن مشروع قانون الأسرة الجديد لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تعديلات متفرقة أو مواد إجرائية، بل باعتباره محاولة لإعادة بناء العلاقة الأسرية منذ لحظة التأسيس وليس فقط عند حدوث الانفصال، موضحة أن الفكرة الرئيسية لا تتمثل في إدارة النزاع بعد وقوعه، وإنما في تقليل فرص حدوثه من الأساس، عبر أدوات قانونية تفرض الوضوح والمسؤولية على الطرفين منذ البداية.
وترى الجندي أن أبرز ما يقدمه المشروع هو تحويل عقد الزواج من إجراء شكلي إلى “عقد تأسيس أسرة” بمعناه الكامل، معتبرة أن “ملحق عقد الزواج” الاختياري يمثل واحدة من أهم الأدوات التشريعية في القانون، لأنه يحول الاتفاقات غير المكتوبة إلى التزامات موثقة وقابلة للتنفيذ الفوري، كما تشير إلى أن إنشاء صندوق دعم الأسرة يعكس إدراكا بأن النفقة حق أصيل للطفل لا يجب أن يرتبط بقدرة الأب أو التزامه، وأن الفلسفة هنا تقوم على الفصل بين استحقاق النفقة وآلية تنفيذها.
كما تتوقف عند قضية عجز الأب عن النفقة، موضحة أن المشروع وضع شبكة حماية متعددة المستويات تبدأ بصندوق دعم الأسرة الذي يضمن الحد الأدنى من المعيشة للأطفال دون تأخير، وتمتد إلى إلزام الأقارب القادرين بالمساهمة في النفقة وفقا للترتيب الشرعي، مؤكدة أن الرسالة الأساسية هي أن النفقة لا تسقط لأنها التزام تجاه الطفل قبل أن تكون نزاعا بين طرفين.

ويرى الخبير القانوني عصام كمال أن مشروع قانون الأسرة الجديد يحقق قدرا واضحا من التوازن، لكن نجاحه في النهاية سيظل مرتبطا بآليات التطبيق والتنفيذ، موضحا أن الإفراط في مراعاة الخصوصية قد يؤدي إلى ما يشبه “الطائفية القانونية”، في حين أن المبالغة في فرض المساواة قد تنتقص من خصوصية العقائد داخل المجتمع.
ويشير إلى أن البنود الجديدة سيكون لها تأثير مباشر على حياة الأسرة، وعلى رأسها إدراج الأب في المرتبة الثانية للحضانة بما يضمن استمرار دوره بعد الانفصال، إلى جانب إقرار نظام الاستضافة يومين أسبوعيا مع إمكانية المبيت، وهو ما يمثل تطورا نفسيا مهما للأطفال وينهي فكرة حصر العلاقة في ساعات محدودة، كما أن إلزام توثيق الطلاق خلال خمسة عشر يوما يضع حدا لمشكلة الطلاق الغيابي، بينما يوفر صندوق دعم الأسرة ضمانا فوريا لصرف النفقة مع استردادها لاحقا من الزوج، إضافة إلى إعادة الولاية التعليمية المشتركة بما يعزز دور الأب كشريك في قرارات تعليم الأبناء.

ومن جانبه، يقول المحامي ميشيل حليم إن الحكومة اتخذت اتجاها سليما لتحقيق التوازن بين الأب والأم بما يخدم مصلحة الطفل، موضحا أن من أبرز الضوابط التي تضمنها المشروع تقنين الاستضافة أو الاصطحاب، ومنح الأب حق استضافة الطفل في حالات محددة بما يحقق له التأهيل النفسي اللازم، وهو ما لم يكن منظما بشكل واضح في القوانين السابقة، الأمر الذي أدى إلى إهدار حقوق الأب والأبناء معا.
ويضيف حليم أنه من الضروري اشتراط إجراء تحليل مخدرات لمن يطلب حق الاستضافة، مع فحص الحالة الجنائية قبل منحه هذا الحق، مؤكدا كذلك ضرورة ألا يقل سن الطفل عن خمس سنوات حتى لا يكون هناك انتقاص من حق الأم في الحضانة، بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ونص المادة الثانية من الدستور المصري.