لم تكن تعلم، حين أنهت زيارتها لأمها ورفضت المبيت عندها، أن خطواتها نحو بيت الزوجية كانت آخر خطواتها على هذه الأرض. لم تكن تعلم أن الباب الذي طرقته عائدةً إليه، سيُغلق خلفها إلى الأبد. ذهبت إلى بيتها، فلم تخرج منه إلا جثةً هامدة.
هذه ليست حكاية مُختلَقة، بل هي واقعة مروّعة هزّت عزبة بدران بمدينة شبرا الخيمة في محافظة القليوبية، حين قرر رجلٌ يعمل جزاراً أن يُنهي حياة زوجته خنقاً بيديه، في جريمة طغى عليها الغضب الأعمى وغابت عنها أدنى مشاعر الإنسانية.
ضيق الحال.. حيث تبدأ الجراح
لم تنشأ هذه المأساة في لحظة واحدة، بل تراكمت طبقاتها ببطء كما تتراكم الجروح التي لا تُعالَج. فقد كانت الخلافات بين الزوجين تعود في جذورها إلى ضيق الحال والأزمات المادية المتكررة التي نخرت جدران بيتهما من الداخل.
أمام هذا الواقع الخانق، لجأت الزوجة "ن.د" إلى ما تلجأ إليه كل امرأة تحب أسرتها: طلبت من زوجها أن يأذن لها بالعمل، لتكون يداً تُعينه لا عبئاً يُثقله، وتساعد في نفقات المعيشة ورعاية طفليهما. وافق الزوج، وبدأت المرأة رحلتها في العمل منذ نحو ستة أشهر.
لكن الموافقة لم تُسكت صوت الشك في نفس الزوج، ولم تُطفئ جذوة خلافاتهما، إذ راح يتهمها بأنها لا تساعده مالياً بالقدر الذي كان يتوقعه، وظل التوتر يتصاعد بين جدران بيت صغير يحمل طفلين لا ذنب لهما فيما يجري من حولهما.
يوم كأي يوم.. حتى لم يكن كذلك
في ذلك اليوم، خرجت الزوجة لزيارة والدتها، وتركت طفليها عند جدتهما. وحين حلّ المساء، اتصلت بزوجها طالبةً العودة إلى منزل الزوجية، رافضةً المبيت في بيت أهلها. كانت تريد بيتها، كانت تريد أن تعود.
عاد الزوج إلى البيت، لكنه قبل أن يطرق الباب، وقف لحظة في الممر، وإذا به يسمع صوت زوجته تتحدث هاتفياً مع أحد الأشخاص، وكانت الكلمات التي سمعها كافيةً لأن تُشعل في داخله ناراً لم يستطع إخمادها.
انقلب كل شيء في لحظة. دخل الغضب إلى قلبه فأخرج منه كل ما تبقى من رزانة أو تفكير. بدأ يقرع الباب بعنف، وما إن فتحت له الزوجة حتى اندلعت بينهما مشادة كلامية سرعان ما تحولت إلى اعتداء جسدي، قبل أن ينتهي المشهد بأبشع صورة: خنقها بيديه حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وسقطت على أرض البيت الذي أحبته وأرادت العودة إليه.
جارٌ يحمل خبر الجريمة
بعد أن ارتكب الجريمة، لم يهرب المتهم ولم يتخفَّ، بل توجّه إلى أحد جيرانه وأخبره بما فعل، طالباً منه إبلاغ الأجهزة الأمنية. كأنه أدرك في تلك اللحظة حجم ما اقترفت يداه، لكن الإدراك جاء بعد فوات الأوان.
إجراءات أمنية وقضائية فورية
رصدت القليوبية الآن تفاصيل تحرك الأجهزة الأمنية، إذ سارعت مديرية أمن القليوبية إلى التحرك فور ورود البلاغ عبر مدير إدارة البحث الجنائي، وانتقل ضباط مباحث قسم ثان شبرا الخيمة على الفور إلى مكان الحادث، ليجدوا جثة المرأة ترتدي كامل ملابسها، وعلى وجهها وعنقها آثار الخنق والكدمات، شاهدةً صامتةً على فداحة ما جرى.
نُقلت الجثة إلى مستشفى ناصر العام، وأُلقي القبض على الزوج "م.س"، 33 عاماً، الذي أقرّ أمام المحققين بارتكاب الجريمة دون تردد. وتولّت النيابة العامة التحقيق، وأصدرت أمراً بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيقات مع مراعاة التجديد في المواعيد القانونية، كما صرّحت بدفن الجثمان عقب الانتهاء من أعمال الصفة التشريحية.
رحلت "ن.د" وخلفت طفلين لن يفهما اليوم ما الذي حدث لأمهما، لكنهما سيكبران يوماً ويسألان. رحلت وهي تريد فقط أن تعود إلى بيتها، أن تكون زوجةً وأماً وامرأةً عاملة تساعد أسرتها. لم تكن تطلب شيئاً كثيراً، لكن ما نالته كان أقسى مما يتحمله وصف.