من أكفان الفراعنة إلى صناعة موبيليا العرسان قرية طنان تصنع التاريخ.

صناعة موبيليا العرسان قرية طنان

صناعة موبيليا العرسان قرية طنان

محمد حسن حمادة.

طنان في الأصل قرية زراعية منتجة تميزت بالإنتاج الزراعي والحيواني وتجارة الحبوب والغلال ومنذ أكثر من ستين عاما قبل أن تشتهر طنان بصناعة الأثاث اشتهرت بصناعة النسيج، هذه الصناعة التي يعود جذورها إلى عصر الفراعنة، لتصنيع أكفان الموتى وملابس الكهنة، فكانت كل أسرة في طنان تقريبا تمتلك نولا أو أكثر كوحدة إنتاجية خاصة بذاتها للغزل والنسيج فأينما تمر في شوارع طنان لا تسمع إلا صوت (المكوك) الذي يستخدم في نسج ولف الخيوط وتشبيكها ببعضها البعض، هذا (المكوك) هو القطعة الأهم فى النول الخشبي، بجانب خيوط من القطن، يشكلان معا شكلا هندسيا لتخرج في النهاية قطعة فريدة، زاهية الألوان، لا يعكر صفو هذه اللوحة إلا صوت (المكوك) المزعج ورغم ذلك كان بمثابة مقطوعة موسيقية فلا أحد يشكو فالجميع يعمل بنفس الصناعة، الجميع يمارسون بل يغزلون حرفة الصبر على النول، حتى وصل عدد هذه الأنوال لما يقرب من أربعة آلاف نول.

وفي أوائل الستينيات تم إنشاء الجمعية التعاونية لصناعة النسيج بطنان لتطوير وتنظيم هذه الصناعة وكان مقرها بالقرب من مسجد الشيخ سلامة وكان رئيس مجلس إدارة هذه الجمعية آنذاك الأستاذ محمود حسن هاني المحامي وكان بالجمعية كاتبان هما الأستاذ حامد عبد الفتاح يونس أطال الله عمره والأستاذ عبد الفتاح عبد الحميد فرج رحمه الله، كانت مهمة هذه الجمعية شراء القطن الغزل من شركات الغزل ثم بيعه لعمال النسيج من أهالي طنان ثم يتم تصنيع القطن وتحويله لقماش (دمور) ثم يباع هذا القماش لتجار الجملة.

صناعة النسيج بطنان جعلت عمال النسيج بطنان يعيشون في مستوى عال من الرفاهية ورغد العيش لدرجة أن الناس كانوا يفضلون لزواج ابنتهم عامل النسيج على غيره، ومما يروى في هذا الشأن موضوع (البطاق) حيث كان هناك مجموعة من أصحاب المهنة يؤمنون على أنوالهم فكانت تٌصرف لهم حصة شهرية من الغزل والكثير منهم كان لا يصنعه بل يبيعه في السوق السوداء ويأخذ فارق الثمن مما كان يدر له أرباحا وفيرة إلا أن معظم هذه الفئة أسرفت في الإنفاق ماعدا قلة قليلة استثمرت هذه الأرباح في شراء أراض زراعية أو سيارات نقل. 
وفي آوائل الثمانينيات توقف الإنتاج ومن ثم توقفت هذه الأنوال وتم تسريح العمال وأصبحت طنان تواجه كارثة اقتصادية كبرى فبدأ أهالي طنان البحث عن مهن أخرى فبعضهم التحق بالعمل في مصانع الغزل والنسيج الكبرى كشركة (إسكو) للغزل والنسيج وبعضهم اتجه للزراعة وبعضهم هجر طنان بل غادر مصر وشد الرحال للعراق وسوريا أولا ثم اتجهوا لبلاد الخليج والبعض الآخر اتجه لتعلم صناعة الأثاث، ثم كانت المحطة التالية التي أعقبت مرحلة صناعة الغزل والنسيج مرحلة تجارة السيارات واقتنائها وتشغيلها، وأضحت طنان تمتلك أكبر أسطول للسيارات بمختلف أنواعها سواء أكانت للنقل الثقيل أم للنقل المتوسط والنقل الخفيف، أو سيارات الأجرة أو السيارات الملاكي واستوعب ذلك أعدادا كبيرة من العمالة سائقين وتباعين.

بدأت تظهر بوادر مرحلة صناعة الأثاث حيث أشرنا إلى اتجاه بعضهم لتعلم صناعة الموبيليا كان ذلك على يد النجارين الأوائل أمثال الحاج محمود النجار والحاج إسماعيل النجار رحمهما الله اللذين أسهما في تعليم جيل كاملا من شباب طنان آنذاك أمثال المرحوم الحاج محمد الفاضي والحاج محمد عبد الرحمن شداد وغيرهما كان هؤلاء النواة الأولى لبداية دخول طنان لعصر صناعة الأثاث ثم بعد ذلك بدأ بروز المعارض، كان أول من اقتحم هذا المجال أولاد العمدة وأولاد الفاضي والباجوري والبوهي وأولاد ندا وفي مرحلة لاحقة تم الاستعانة بخبراء صناعة الأثاث وخاصة من دمياط وبدأت حركة بيع وشراء الأثاث من دمياط ثم الاتجاه لشراء الخامات من محافظات أخرى فمثلا تم شراء الخشب من محافظة الإسكندرية أما إكسسوارات الموبيليا فكان يتم شراؤها من القاهرة، وسرعان مااشتهرت طنان بصناعة الأثاث نظرا لجودته ولانخفاض أسعاره التي تناسب مختلف شرائح المجتمع الغني والفقير والأهم الموقع الجغرافي لطنان الذي يتوسط بين محافظات الدلتا والقاهرة ووقوعها على طريق مصر إسكندرية الزراعى، وسهولة النقل والشحن إلى أي مكان داخل مصر، وبشكل رسمي تتصدر طنان المركز الأول على مستوى محافظة القليوبية، والثانى على مستوى الجمهورية بعد دمياط فى تجارة الأثاث طبقا لآخر تقرير صدر في الثالث والعشرين من يناير للعام الفائت عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء بعنوان "صناعة الأثاث عالميا ومحليا". تناول التقرير خلاله وضع هذا القطاع على المستوى العالمي، وأبرز الفاعلين الدوليين في مجال صناعة الأثاث ووضعه داخل مصر، ومما ورد بالتقرير عن طنان "كما اشتهرت قرية طنان بمحافظة القليوبية بصناعة الأثاث منذ فترة طويلة، وتأتي هذه القرية في المركز الثاني بعد محافظة دمياط في تصنيع الأثاث، وتضم أغلب المنازل بالقرية معارض كبيرة للأثاث باختلاف أنواعه، وتوفر هذه الصناعة فرص عمل كثيرة للخريجين من الشباب أو الطلاب في أثناء الإجازات، تقدم هذه القرية منتجات أثاث عالية الجودة بأرخص الأسعار على مستوى الجمهورية".

نجحت قرية طنان في حجز مكان لها على خريطة الاقتصاد المصري في هذا المجال ومؤخرا وصلت قرية الشاكوش والمسمار للعالمية ليصبح اسم طنان ماركة عالمية مسجلة ليس في صناعة الأثاث فقط بل في صناعة النجاح أيضا.

ومؤخرا برزت طنان في تجارة العدد والآلات ومستلزمات الورش والمصانع والعِدَدْ الكهربائية في شارع الجمهورية والسبتية وعلى الطريق البطيء حيث أصبحت مجموعة كبيرة من شباب طنان يمتلكون الكثير من المحلات والشركات التي تعمل بهذا المجال.