قرية إمياي.. حكاية الاسم والناس وصناعة الأقفاص في قلب مركز طوخ بالقليوبية

قرية  إمياي  في قلب مركز طوخ بالقليوبية

قرية إمياي في قلب مركز طوخ بالقليوبية

احمد عواد

تُعد قرية إمياي التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية واحدة من القرى التي تحمل اسمًا مميزًا وتاريخًا محليًا يستحق التوثيق، فهي ليست مجرد قرية زراعية عادية، لكنها قرية صنعت لنفسها شهرة خاصة بفضل حرفة قديمة ارتبطت بها لعقود طويلة، وهي صناعة الأقفاص من جريد النخيل، حتى أصبحت إمياي معروفة إعلاميًا بأنها واحدة من أهم قلاع هذه الصناعة في القليوبية ومصر.

وعندما نكتب عن إمياي، فنحن لا نكتب فقط عن أصل اسم قرية، بل عن مكان جمع بين التاريخ، والعمل اليدوي، والمهارة، والرزق، والاعتماد على الذات، حيث تحولت صناعة الأقفاص والكراسي والترابيزات من الجريد إلى عنوان واضح للقرية وأهلها.

إمياي في مركز طوخ

تقع قرية إمياي ضمن نطاق مركز طوخ بمحافظة القليوبية، وهي إحدى القرى المعروفة داخل المركز. ويُشار إليها في بعض المصادر الجغرافية باعتبارها قرية تابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية، بما يجعلها جزءًا من النسيج الريفي والزراعي المهم في وسط المحافظة.  

وتحمل القرية طابعًا ريفيًا واضحًا، حيث الأرض الزراعية، والعائلات الممتدة، والعادات الاجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تتميز بطابع صناعي وحرفي خاص، جعلها مختلفة عن كثير من القرى المحيطة بها.

أصل اسم إمياي.. بين الرواية الشعبية والتاريخ المحلي

اسم إمياي من الأسماء اللافتة التي تثير تساؤلات كثيرة حول أصلها ومعناها. وتنتشر رواية محلية تقول إن القرية سُميت نسبة إلى سيدة تُدعى “إمياي”، ارتبط اسمها بمقاومة الحملة الفرنسية، وتُروى حكايات شعبية بأنها كانت من الشخصيات التي واجهت الاحتلال، وأن القرية احتفظت باسمها تخليدًا لها. وقد وردت هذه الرواية في تقارير صحفية ومحلية تتناول تاريخ القرية واسمها.  

لكن من المهم توضيح أن هذه الرواية تظل في إطار الحكاية الشعبية المتداولة ما لم تُدعّم بوثائق تاريخية قاطعة. ومع ذلك، فإن وجودها في ذاكرة الأهالي يمنح الاسم قيمة رمزية، ويجعل إمياي قرية مرتبطة في الوجدان المحلي بفكرة الصمود والانتماء.

إمياي وقلعة صناعة الأقفاص

الشهرة الأوسع لقرية إمياي اليوم تأتي من كونها واحدة من أبرز القرى المصرية في صناعة الأقفاص من جريد النخيل. فقد اشتهرت القرية منذ زمن طويل بصناعة أقفاص الفاكهة والخضروات من الخوص والجريد، وهي حرفة توارثها الأهالي جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت جزءًا من هوية القرية الاقتصادية والاجتماعية.  

وتشير تقارير صحفية إلى أن إمياي اشتهرت أيضًا بصناعة المقاعد والترابيزات من جريد النخيل، وأن هذه الحرفة ساعدت في مواجهة البطالة داخل القرية، حتى وُصفت إعلاميًا بأنها قرية قاومت البطالة بالعمل اليدوي والإنتاج.  

الجريد يتحول إلى رزق

في إمياي، لا يُنظر إلى جريد النخيل باعتباره بقايا زراعية، بل مادة خام لها قيمة. يدخل الجريد إلى الورش الصغيرة داخل القرية، ثم يتحول على أيدي الصناع إلى أقفاص فاكهة وخضروات وكراسي ومنتجات يدوية تُستخدم في الأسواق والمنازل.

هذه الحرفة تكشف عبقرية الريف المصري في استغلال الموارد المتاحة. فبدلًا من ترك الجريد بلا قيمة، حوله أهل إمياي إلى صناعة، ومصدر دخل، وفرصة عمل، ومهنة يتعلمها الصغار من الكبار، خاصة في أوقات الإجازات والمواسم.

إمياي.. قرية العمل لا البطالة

من أبرز ما يميز إمياي أن العمل داخلها لا يرتبط بوظيفة حكومية فقط، بل بحرفة متوارثة خلقت اقتصادًا محليًا كاملًا. فهناك من يجمع الجريد، ومن يجهزه، ومن يصنع الأقفاص، ومن ينقل المنتجات، ومن يبيعها، ومن يعمل داخل الورش، لتتحول الحرفة إلى شبكة رزق واسعة.

وتناولت تقارير صحفية القرية باعتبارها نموذجًا في مقاومة البطالة، حتى وُصفت بأنها “القرية التي ليس بها عاطل”، بسبب انتشار الورش وكثرة العاملين في صناعة الجريد والأقفاص والكراسي.  

أكثر من 100 ورشة وآلاف الصناع

تشير تقارير منشورة إلى أن قرية إمياي تضم أكثر من 100 ورشة تعمل في صناعة أقفاص الجريد اليدوية، إلى جانب نحو 4 آلاف صنايعي، فضلًا عن العمال والسائقين والأنشطة المرتبطة بهذه الصناعة. وهذا الرقم يعكس حجم الحرفة داخل القرية، ويؤكد أنها ليست نشاطًا جانبيًا، بل قطاعًا محليًا متكاملًا يشارك فيه عدد كبير من الأهالي.  

كما أشارت تقارير أخرى إلى أن عدد سكان القرية يبلغ نحو 65 ألف نسمة، وأنها تُعد رمزًا لصناعة الأقفاص بسبب اعتماد الأهالي على وفرة النخيل والجريد في المنطقة.  

تحديات تواجه حرفة إمياي

رغم شهرة إمياي في صناعة الأقفاص، فإن الحرفة تواجه تحديات حقيقية، منها ارتفاع تكلفة الخامات، وتراجع الإقبال على بعض المنتجات التقليدية، وطول فترة التصنيع، ودخول بدائل صناعية مثل البلاستيك والكرتون في بعض الأسواق.

وهنا يصبح الحفاظ على هذه الحرفة مسؤولية مهمة، لأنها ليست مجرد مهنة، بل تراث اقتصادي واجتماعي. ويمكن تطويرها من خلال التدريب، والتصميم الحديث، والتسويق الإلكتروني، وربط المنتجات بالهوية المحلية، وتحويلها من صناعة تقليدية إلى صناعة تراثية قابلة للتوسع.

إمياي والهوية الحرفية للقليوبية

تمثل إمياي نموذجًا مهمًا داخل محافظة القليوبية، لأنها تثبت أن القرى ليست مجرد مساحات زراعية، بل يمكن أن تكون مراكز إنتاج وحرف وصناعات صغيرة. وكما اشتهرت قرى أخرى في القليوبية بحرف معينة، اشتهرت إمياي بالجريد والأقفاص، لتصبح جزءًا من خريطة المهن التراثية في المحافظة.

وهذا يفتح الباب أمام مشروع إعلامي وتوثيقي مهم بعنوان: “قرى تصنع.. حكايات الحرف اليدوية في القليوبية”، تكون إمياي واحدة من أبرز حلقاته.

إمياي.. قرية تستحق التوثيق

الكتابة عن إمياي ليست فقط كتابة عن اسم قرية، بل عن تجربة إنسانية واقتصادية. فهي قرية استطاعت أن تحول مادة بسيطة من البيئة المحيطة إلى صناعة، وأن تجعل من العمل اليدوي وسيلة للكرامة والرزق والاستقلال.

وفي زمن تبحث فيه القرى عن فرص عمل ومشروعات صغيرة، تقدم إمياي درسًا مهمًا: أن التنمية قد تبدأ من حرفة بسيطة، إذا وجدت من يحافظ عليها ويطورها ويسوقها بشكل جيد.