نوال السعداوي.. مشرط "طبيبة الغلابة" الذي شقّ سكون الصمت

نوال السعداوي طبيبة الغلابة

نوال السعداوي طبيبة الغلابة

احمد عواد

بين قرية "كفر طحلة" التي شهدت صرختها الأولى في أكتوبر 1931، وبين كبرى قاعات الجامعات العالمية، رحلة لم تكن يومًا هادئة. نوال السعداوي؛ الطبيبة التي تركت سماعة الطب لتتحسس أوجاع المجتمع بـ "مشرط" القلم، تظل في ذاكرة القليوبية الآن وفي وجدان الأدب العربي أيقونة لا تُقرأ بالعاطفة، بل بالإنصاف.

رحلة ابنة الريف التي زلزلت العروش الفكرية

لم تكن نوال السعداوي مجرد خريجة طب أو أديبة عابرة، بل كانت مشروعاً فكرياً صدامياً بامتياز. تخصصت في الطب النفسي لترى ما وراء الوجوه من قهر ومسكوتاً عنه، وارتبط اسمها بقضايا الجسد، السلطة، والدين، لتصبح "النون" في مجلتها الشهيرة "نون" وجمعيتها "تضامن المرأة العربية" رمزاً لمعارك لم تهدأ حتى بعد رحيلها في مارس 2021.

الإرث المضيء: شجاعة اقتحام "المناطق المحرمة"

ما يُحسب للسعداوي -كما يرصد ملف القليوبية الآن- أنها لم تعرف أنصاف الحلول. في زمن كان الصمت فيه مرادفاً للسلامة، رفعت هي صوتها ضد ختان الإناث، والعنف الأسري، والتمييز الطبقي.

طبيبة في محراب الفكر: استثمرت خلفيتها العلمية لتربط بين الأمراض الجسدية وبين القهر الاجتماعي، مؤكدة أن "الجسد" ليس مجرد لحم ودم، بل ساحة لصراعات السلطة والجهل.

صوت الهامش: في روايتها الخالدة "امرأة عند نقطة الصفر"، لم تكتب نوال عن قصور الأميرات، بل نزلت إلى السجون والأزقة الفقيرة، لتجعل من المرأة المقهورة بطلة لها صوت وحكاية تهز العالم.

فاتورة المبادئ: لم تكتفِ السعداوي بالتنظير، بل سُجنت عام 1981، وخرجت لتكتب "مذكراتي في سجن النساء" بمداد من الصمود، محولة جدران الزنزانة إلى منطلق جديد لفكرها الذي وصل للعالمية وأدرجتها "تايم" ضمن أكثر النساء تأثيراً.

وجه العملة الآخر: حين يكسر الصدام الجسور

على الجانب الآخر من الجدال، يرى منتقدوها أن "صداميتها" كانت سلاحاً ذا حدين. فبينما كانت تهاجم التقاليد البالية، يرى الكثيرون أنها اندفعت نحو صدام حاد مع الثوابت الدينية والاجتماعية، مما جعل خطابها يتحول في نظر البعض من "دعوة للإصلاح" إلى "معركة هوية".

فخ التعميم: عاب عليها البعض وضعها للرجل دائماً في مقعد "القاهر" والمرأة في مقعد "الضحية"، مغفلة نماذج إيجابية لرجال دعموا التنوير، ونساء كنّ حارسات للعادات القاسية.

الخطاب الصادم: كانت تؤمن بالصدمة كعلاج، لكن في مجتمعات محافظة، أدت هذه الصدمة أحياناً إلى نفور الجمهور بدلاً من إقناعه، مما جعلها تكسب المعركة الإعلامية عالمياً، وتخسر جزءاً من تأثيرها الشعبي محلياً نتيجة استثارة الحساسيات الدينية.

جدلية الحضور الغربي: الحفاوة الكبيرة التي لاقتها في الغرب خلقت نوعاً من الريبة لدى البعض، الذين رأوا أن صورتها هناك استُخدمت أحياناً لتقديم المجتمعات العربية بوصفها مجتمعات قمعية فقط، وكأنها تخاطب الخارج أكثر من الداخل.

كيف نقرأ "نوال" اليوم؟

إن قراءة سيرة نوال السعداوي اليوم تفرض علينا في القليوبية الآن منهج الإنصاف؛ فهي لم تكن قديسة ولا شيطاناً، بل كانت مفكرة إشكالية. قوتها في أنها كسرت حاجز الصمت في ملفات الختان والتمييز، وضعفها في أنها أحياناً كسرت الجسور مع الجمهور الذي كانت تريد تغييره.