عندما نبحث عن شخصية بارزة من محافظة القليوبية تستحق أن تكون ضمن ملف “شخصيات من بلدي”، فإن اسم الدكتور محمد أحمد غنيم يفرض نفسه بقوة، ليس فقط باعتباره طبيبًا مصريًا كبيرًا، ولكن لأنه أحد الرموز العلمية التي خرجت من أرض القليوبية إلى العالمية، وترك بصمة لا تُمحى في مجال جراحة المسالك البولية وزراعة الكلى.
ولد الدكتور محمد غنيم في مدينة شبين القناطر بمحافظة القليوبية عام 1939، ثم شق طريقه العلمي والطبي حتى أصبح واحدًا من أهم رواد زراعة الكلى في مصر والعالم العربي، ومؤسس مركز الكلى والمسالك البولية بجامعة المنصورة، ذلك الصرح الطبي الذي تحول إلى مدرسة علمية وإنسانية يتردد اسمها داخل مصر وخارجها.
البداية من شبين القناطر
ينتمي الدكتور محمد غنيم إلى محافظة القليوبية، وتحديدًا إلى مدينة شبين القناطر، وهي المدينة التي خرج منها إلى رحلة طويلة من العلم والعمل والإنجاز. ومن هذه البداية المحلية، بدأ مشوار رجل لم يتوقف عند حدود المكان، بل حمل معه حلمًا كبيرًا بأن يكون الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة.
وجود شخصية بحجم الدكتور محمد غنيم في الذاكرة القليوبية يمنح المحافظة نموذجًا شديد الأهمية للأجيال الجديدة؛ نموذجًا يؤكد أن القرى والمدن المصرية قادرة على إنجاب علماء وقامات عالمية، وأن النجاح الحقيقي يبدأ من الإصرار والانضباط والإيمان بالعلم.
من طالب طب إلى رائد عالمي
تخرج الدكتور محمد غنيم في كلية الطب، ثم تخصص في جراحة المسالك البولية، وكرس حياته العلمية والعملية لخدمة المرضى وتطوير الطب في مصر. ومع مرور الوقت، أصبح اسمه مرتبطًا بمجال زراعة الكلى، وهو مجال شديد الدقة والحساسية، يحتاج إلى علم وخبرة ونظام مؤسسي قوي.
ولم يكن إنجاز الدكتور غنيم مجرد نجاح فردي، بل كان نجاحًا مؤسسيًا؛ فقد ساهم في تأسيس وبناء مدرسة طبية متكاملة في جامعة المنصورة، قائمة على البحث العلمي، والتدريب، وخدمة المرضى، وتقديم نموذج طبي متقدم داخل مصر بدلًا من الاعتماد الكامل على السفر للخارج.
مركز الكلى بالمنصورة.. الحلم الذي أصبح صرحًا
يُعد مركز الكلى والمسالك البولية بجامعة المنصورة أحد أهم إنجازات الدكتور محمد غنيم، فقد تحوّل هذا المركز إلى واحد من أكبر المراكز المتخصصة في الشرق الأوسط، وارتبط اسمه باسم الدكتور غنيم بوصفه مؤسسًا ورائدًا وصاحب رؤية.
هذا المركز لم يكن مجرد مبنى طبي، بل كان مشروعًا وطنيًا في خدمة المرضى، خاصة مرضى الكلى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة، وجراحات دقيقة، ومتابعة طويلة. ومن خلاله، استطاع الدكتور غنيم أن يثبت أن مصر قادرة على بناء مؤسسات طبية قوية إذا توفرت الرؤية والإدارة والعلم والإخلاص.
مدرسة في الإنسانية قبل الطب
ما يميز الدكتور محمد غنيم أنه لم يقدم نفسه كطبيب بارع فقط، بل كإنسان يرى أن الطب مسؤولية اجتماعية. فالمريض بالنسبة له ليس حالة رقمية، بل إنسان يحتاج إلى احترام ورعاية وكرامة. ولهذا اكتسب مكانة كبيرة بين مرضاه وتلاميذه، وأصبح اسمه مرادفًا للعلم والضمير.
وتجربة الدكتور غنيم تؤكد أن الطبيب الحقيقي لا يقاس فقط بعدد العمليات التي أجراها، بل بالأثر الذي يتركه في حياة الناس، وبالمدرسة التي يبنيها، وبالأجيال التي يخرجها، وبالقيم التي يحافظ عليها داخل المهنة.
رمز علمي من القليوبية
وجود الدكتور محمد غنيم ضمن أبناء القليوبية يمثل مصدر فخر للمحافظة، لأنه نموذج واضح لشخصية خرجت من بيئة محلية، ثم صنعت تأثيرًا وطنيًا وعالميًا. فالقليوبية ليست فقط محافظة زراعية أو صناعية أو قريبة من القاهرة، لكنها أيضًا محافظة أنجبت علماء وأطباء ومفكرين وشخصيات عامة أثرت في تاريخ مصر الحديث.
ومن هنا، فإن تسليط الضوء على الدكتور محمد غنيم هو جزء من واجب توثيق النماذج المشرفة في القليوبية، حتى يعرف الشباب أن النجاح ليس بعيدًا، وأن الشخصيات الكبيرة بدأت من أماكن قريبة منهم، ومن ظروف تشبه ظروفهم، لكنها امتلكت حلمًا وإرادة وعلمًا.
لماذا يستحق الدكتور محمد غنيم أن يكون ضمن “شخصيات من بلدي”؟
يستحق الدكتور محمد غنيم أن يكون في مقدمة الشخصيات التي يتم تناولها في ملف “شخصيات من بلدي” لأنه يجمع بين عدة عناصر نادرة: الانتماء المحلي، والتميز العلمي، والإنجاز المؤسسي، والحضور الإنساني، والتأثير الوطني.
فهو ليس مجرد طبيب ناجح، بل صاحب مشروع. وليس مجرد عالم بارع، بل مؤسس مدرسة. وليس مجرد ابن من أبناء القليوبية، بل رمز مصري كبير يليق أن يُقدم للأجيال الجديدة بوصفه دليلًا على أن العلم والعمل قادران على تغيير حياة الناس.