عندما نبحث عن شخصية علمية من محافظة القليوبية تستحق أن تكون ضمن ملف “شخصيات من بلدي”، فإن اسم الدكتور يحيى المشد يفرض نفسه بقوة، باعتباره واحدًا من أشهر علماء الذرة المصريين والعرب، ورمزًا من رموز العقول المصرية التي وصلت إلى مكانة علمية دولية، قبل أن تنتهي حياته بطريقة غامضة ومثيرة للجدل في باريس عام 1980.
وتذكر مواد تعريفية عن مشاهير القليوبية أن الدكتور يحيى المشد من أبرز الشخصيات العلمية في المحافظة، وأنه وُلد في بنها، ثم أصبح عالمًا نوويًا وأستاذًا جامعيًا بارزًا.
البداية من بنها
كانت بنها هي نقطة البداية في حكاية الدكتور يحيى المشد، المدينة التي خرج منها عالم مصري كبير سيصبح لاحقًا واحدًا من أهم الأسماء المرتبطة بالملف النووي العربي. ومن بنها، بدأ طريقه في التعليم والعلم حتى وصل إلى مجال من أدق وأخطر مجالات المعرفة: الطاقة النووية.
وجود شخصية مثل يحيى المشد في ذاكرة القليوبية يؤكد أن المحافظة لم تُنجب فقط سياسيين وأدباء وفقهاء، لكنها أنجبت أيضًا عقولًا علمية نادرة وصلت إلى دوائر بحثية دولية.
عالم ذرة مصري
اشتهر الدكتور يحيى المشد بعمله في مجال الفيزياء النووية، وكان من العقول المصرية المتخصصة في الطاقة الذرية. وقد ارتبط اسمه لاحقًا بالبرنامج النووي العراقي في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المنطقة، وهو ما جعل سيرته تتجاوز حدود العمل الأكاديمي إلى دوائر السياسة والصراع الدولي.
ومع أن تفاصيل عمله العلمي تحتاج إلى قراءة متخصصة، فإن المؤكد أن المشد كان واحدًا من العلماء العرب الذين امتلكوا خبرة مهمة في مجال نووي شديد الدقة، وكان وجوده في هذا المجال دليلًا على قدرة العقل المصري على المنافسة في أصعب التخصصات العلمية.
اغتيال غامض في باريس
اكتسب اسم الدكتور يحيى المشد شهرة واسعة بعد مقتله في باريس عام 1980 في ظروف غامضة. وتداولت كتابات كثيرة اتهامات بشأن تورط جهاز الموساد الإسرائيلي في اغتياله بسبب ارتباطه بالبرنامج النووي العراقي، لكن هذه الرواية تظل في إطار ما تذكره مصادر إعلامية وتحليلية عديدة، بينما بقيت القضية في الوعي العام العربي واحدة من أشهر وقائع استهداف العلماء العرب.
وفي كل الأحوال، فإن نهاية يحيى المشد جعلت منه رمزًا لعالم دفع ثمن علمه، أو على الأقل رمزًا للعلم العربي حين يدخل مناطق الصراع الاستراتيجي الكبير.
لماذا يهمنا يحيى المشد اليوم؟
قصة الدكتور يحيى المشد مهمة لأنها ليست مجرد قصة عالم اغتيل، بل قصة عقل مصري كان يمكن أن يضيف الكثير للعلم العربي. وهي أيضًا تفتح سؤالًا أكبر عن حماية العلماء، والاستثمار في البحث العلمي، ودور الدول في احتضان العقول النادرة بدل أن تتركها فريسة للهجرة أو الاستهداف أو النسيان.
فالأمم لا تنهض بالموارد فقط، بل بالعقول. والدكتور يحيى المشد يمثل نموذجًا للعقل المصري الذي وصل إلى تخصص نادر، وأثبت أن أبناء المحافظات المصرية قادرون على دخول أرفع مجالات العلم إذا توفرت لهم الفرصة.
يحيى المشد والقليوبية
بالنسبة لمحافظة القليوبية، فإن الدكتور يحيى المشد شخصية تستحق استعادة سيرتها في ملف “شخصيات من بلدي”، لأنه ابن بنها الذي خرج إلى عالم العلم النووي، وأصبح اسمه حاضرًا في ذاكرة مصر والعالم العربي.
ومن المهم أن يعرف شباب القليوبية أن المحافظة أنجبت علماء كبارًا، وأن الطريق من بنها أو طوخ أو شبين القناطر أو قليوب إلى العالمية ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى علم جاد وإرادة ومؤسسات تدعم الموهبة.
لماذا يستحق أن يكون ضمن “شخصيات من بلدي”؟
يستحق الدكتور يحيى المشد أن يكون ضمن ملف “شخصيات من القليوبية” لأنه يمثل قيمة العلم في أقصى درجاتها، ولأن سيرته تجمع بين العبقرية والغموض والتضحية. هو ليس شخصية عادية، بل عالم دخل مجالًا استراتيجيًا حساسًا، وارتبط اسمه بواحدة من أكثر القضايا إثارة في تاريخ العلماء العرب المعاصرين.
كما أن تقديمه للأجيال الجديدة مهم جدًا؛ لأنه يفتح باب الحديث عن الفيزياء، والطاقة النووية، والبحث العلمي، وحماية العقول، وقيمة أن يكون للمحافظة رموز علمية لا تقل أهمية عن رموز السياسة والأدب والفن
يبقى الدكتور يحيى المشد واحدًا من أبرز الشخصيات العلمية التي ارتبطت بمحافظة القليوبية، فهو ابن بنها، وعالم الذرة المصري، وصاحب السيرة التي اختلط فيها العلم بالغموض والسياسة.
إنه نموذج لعقل مصري كبير، خرج من مدينة قليوبية، ووصل إلى واحد من أخطر مجالات المعرفة، ثم رحل في ظروف جعلت اسمه حاضرًا في الذاكرة العربية كرمز للعالم الذي تستحق حكايته أن تُروى وأن تُوثق.