في حياة المسؤول لحظات لا تنسى، ليس لأنها ارتبطت بمنصب أو قرار، بل لأنها كشفت له المعنى الحقيقي للناس والوطن والمسؤولية، لحظات تدرك فيها أن بعض الأزمات لا يمكن فهمها من خلف المكاتب المكيفة أو التقارير الرسمية، بل من قلب الشارع، ومن عيون المواطنين وهم يحاولون الاحتمال.
من بين تلك اللحظات، تبقى “قصة كوز البرادعة” واحدة من أكثر المواقف الإنسانية تأثيرا في ذاكرتي خلال فترة عملي محافظًا للقليوبية.
في ذلك الوقت، كانت قرية البرادعة تعاني أزمة حقيقية بسبب شائعات ترددت عن تلوث مياه الشرب، الشكاوى تتصاعد، والغضب يتزايد، والناس يعيشون حالة من القلق اليومي على صحتهم وصحة أطفالهم، لم تكن المسألة مجرد عطل فني أو أزمة خدمية عابرة، بل كانت جرحا مفتوحا في حياة قرية كاملة تبحث عن أبسط حقوقها: الاطمئنان إلى كوب ماء نظيف.
عندما وصلتني تفاصيل الأزمة، شعرت أن التعامل معها لا يحتمل البطء أو الاكتفاء بالإجراءات التقليدية، بعض القضايا تحتاج أن تراها بنفسك، وأن تقترب من أصحابها، لأن المسافة أحيانا تصنع وهما خطيرا بأن الأمور تحت السيطرة، بينما الحقيقة في الشارع مختلفة تمامًا.
قررت التوجه إلى البرادعة، وصادف وجود عزاء لأحد أبناء القرية، فذهبت وسط الأهالي، لم أكن أبحث عن مشهد إعلامي، بل عن فهم حقيقي لما يشعر به الناس، كنت أراقب الوجوه الصامتة، وأرى في العيون تعبا أكبر من مجرد أزمة مياه؛ كان هناك إحساس ثقيل بأن المعاناة طالت أكثر مما ينبغي.
وخلال وجودي، حاول بعض المسؤولين تقديم زجاجة مياه معدنية لي، باعتبارها التصرف المعتاد مع أي مسؤول في زيارة ميدانية، لكنني رفضت بهدوء، وقلت: “هاتوا لي من المية اللي بتشربوا منها ”.
ساد الصمت للحظات وأتى أحد المواطنين بكوز من الألومنيوم به المياة
أمسكت بالكوز وشربت منه أمام الجميع، لم يكن ذلك تحديا لأحد، ولم يكن استعراضا كما تصور البعض، بل كان رسالة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: لا يجوز لمسؤول أن يعزل نفسه عن واقع الناس، أو يتعامل مع معاناتهم باعتبارها أرقاما في ملف.
في تلك اللحظة شعرت أن أهالي القرية لم يكونوا ينتظرون كلمات مطمئنة بقدر ما كانوا ينتظرون إحساسا صادقا بأن الدولة تراهم وتشعر بهم، فكرامة المواطن لا تبدأ من المشروعات الكبرى فقط، بل تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي تحفظ له إنسانيته، وأولها حقه في مياه نظيفة وحياة آمنة.
بعد الزيارة، كلفت الأجهزة التنفيذية ومسؤولو شركة المياه بشكل عاجل، وتم التعامل مع الأزمة ميدانيا حتى جرى احتواء المشكلة لكن ما بقي في وجداني لم يكن فقط حل الأزمة، وإنما المعنى الأعمق الذي كشفته تلك الواقعة.
تعلمت أن المسؤول عندما يبتعد عن الناس يفقد تدريجيا قدرته على رؤية الحقيقة، وأن أخطر أنواع البيروقراطية ليست تعقيد الإجراءات، بل اعتياد النظر إلى معاناة البشر من بعيد.
لقد رأيت في “كوز البرادعة” رمزا أكبر من مجرد إناء ماء شعبي رأيت كيف يمكن لموقف إنساني صادق أن يعيد الثقة بين المواطن والدولة أكثر مما تفعله عشرات الاجتماعات والخطب الرسمية.
الحياة علمتني أن الناس لا يطلبون المستحيل، هم فقط يريدون مسؤولا يشعر بهم قبل أن يتحدث إليهم، وينزل إلى الشارع قبل أن يصدر البيانات، فالمسؤولية الحقيقية ليست سلطة تمارس، بل إنسانية تختبر كل يوم.
وحتى الآن، كلما تذكرت تلك اللحظة، أدركت أن الأمل لا يولد من الكلمات الكبيرة، بل من الاقتراب من الألم، ومن شجاعة الاعتراف بأن خدمة الناس لا تبدأ من المكتب، وإنما من الميدان، حيث الحقيقة دائما أكثر صدقا، وأكثر وجعا، وأكثر قدرة على تغييرنا.