مطارق سريعة أم نجارين مبدعين؟... رسالة مفتوحة إلى رئيس جامعة بنها

رسالة مفتوحة إلى رئيس جامعة بنها

رسالة مفتوحة إلى رئيس جامعة بنها

عيسى المصري

مطارق سريعة أم نجارين مبدعين؟... رسالة مفتوحة إلى رئيس جامعة بنها
قبل أن نبدأ... اعتراف صادق
لطالما انبهرت، مثلكم، بطفل يقف على منصة المسرح، تتساقط الأرقام كالمطر، فيلملمها بعينيه ثم يقذف بالإجابات كالصاعقة. صفقّت وقلت: "يا الله! ما هذا العبقرية؟!"
لكن شيئاً ما بقي يخنقني. سؤال لم يغادر رأسي منذ سنوات:
هل هذا الطفل يفكر حقاً؟ أم أنه دُرب أن يكون سريعاً مثل الآلة... فقط؟
وهنا بدأت رحلة البحث عن إجابة. رحلة أدت بي اليوم إلى عتبات جامعة بنها، ليس لأنني أعرف الحقيقة وحدي، بل لأنني أريد أن نتعلم جميعاً من علمائنا.
--- الحكاية التي توجع القلب
في إحدى قاعات القليوبية، رأيت طفلاً لا يتجاوز التاسعة. سألته المُدربة: "ما هو 347 × 28؟"
طرفة عين... والإجابة جاهزة. صفقت الأمهات. ابتسمت المُدربة. لكنني اقتربت منه وقلت بهدوء: "لماذا ضربت 347 في 20 أولاً ثم في 8؟"
صمت الطفل. نظر إليّ كأنني أتحدث الصينية.
همس أخيراً: "أنا لا أعرف... هكذا علمتني المُدربة."
هنا شعرت بشيء كالصاعقة الحقيقية.
هذا الطفل لا يفهم ما يفعل. إنه ينفذ فقط.
وهل يختلف عن الآلة التي تنفذ دون أن تفهم؟ لا شيء... سوى أنه يضحك أحياناً، ويبكي، ويحتاج إلى حضن أمه بعد المسابقة.
---ما الذي يحدث بالضبط؟
دعوني أوضح الفرق البسيط بين شيئين خلطنا بينهما:
الحساب الذهني السريع التفكير الرياضي الحقيقي
يبحث عن السرعة يبحث عن الفهم
يعطي إجابة واحدة صحيحة يطرح أسئلة كثيرة جميلة
ينفذ القواعد دون نقاش يكسر القواعد أحياناً ليبتكر
يُدرب الطفل كآلة يُربّي العقل كإنسان
لا أقول إن الحساب الذهني شر. بالعكس، هو أداة مفيدة، مثل المطرقة في يد نجّار.
لكن هل نفتخر بالمطرقة أم بالنجار الذي يصنع أثاثاً بديعاً؟
مشكلتنا الحقيقية: صرنا نفتخر بأطفالنا لأنهم "مطارق سريعة"، ونسينا أن نعلمهم كيف يكونون "نجارين مبدعين".
---الإنسان صانع الآلة... دعونا لا نعكس المعادلة
تأملوا هذه الحقيقة البسيطة التي ننساها في حماسنا:
الإنسان اخترع الحاسوب.
لم يخترع الحاسوب لأنه أسرع منه.
اخترعه لأنه كان أعظم منه في التفكير والإبداع.
إذا دربنا أطفالنا ليكونوا مجرد "آلات بشرية"، فماذا سنترك للآلات الحقيقية؟!
الآلة ستظل أسرع منا إلى الأبد. لكنها لن تسأل أبداً: "لماذا نحن هنا؟" أو "ماذا لو فعلناها بطريقة مختلفة؟" أو "كيف نجعل العالم أجمَل؟"
هذه الأسئلة... للإنسان وحده.
---
الآن... إلى جامعة بنها ومعالي الدكتور رئيس الجامعة  (بكل احترام وتقدير)
أيتها الجامعة العريقة، يا من تضمّين في رحابك كلية التربية وخبراء التفكير والمناهج، معالي العالم الجليل الدكتور ناصر الجيزاوي رئيس جامعة بنها 
أنا لست عالماً مثلكم.
أنا مجرد كاتب رأى شيئاً أقلقه، فأراد أن يضعه بين أيديكم، ليس انتقاداً أو اتهاماً، بل تساؤلاً صادقاً:
التساؤل الأول:
هل ما نراه في مراكز الحساب الذهني المنتشرة في القليوبية هو تعليم حقيقي للتفكير، أم تدريب آلي يقتل الإبداع؟
التساؤل الثاني:
كيف نفرق كآباء ومربين بين الطفل "المفكر" والطفل "المنفذ السريع"؟ هل لديكم معايير ومقاييس تخبرنا بها؟
التساؤل الثالث والأهم:
ماذا تنصحوننا – كمجتمع محلي – لنصنع أطفالاً يتفوقون على الآلة بإنسانيتهم، لا بسرعتهم؟
---دعوة مفتوحة... للتعلم معاً
أنا لا أطلب من الجامعة أن تصدر فتوى، ولا أن تحارب أحداً.
أطلب شيئاً واحداً بسيطاً وجميلاً:
أن نتعلم من علمائنا.
نقترح – بكل تواضع – أن تنظم كلية التربية ببنها:
· ندوة عامة بعنوان: "الحساب الذهني بين السرعة والتفكير – أين الخطر؟"
· تقرير علمي مبسط يوزع على المدارس ومراكز التحفيظ والأسر.
· حلقة نقاش يدعى إليها أصحاب مراكز الحساب الذهني، ليس لمحاسبتهم، بل لنتعلم منهم ونتعلم معهم.
نريد أن نعرف: أين الخط الفاصل بين المهارة المفيدة والبرمجة المؤذية؟
---ختاماً... إلى كل أب وأم في القليوبية
أوقفوا التصفيق لحظة.
اسألوا أبناءكم بعد أن يجيبوا بسرعة: "لماذا؟"
إذا استطاعوا أن يشرحوا بطريقتهم، فقد أصبتم.
إذا تاهوا أو قالوا: "لا أعرف، هكذا علموني"... فقد حان وقت التساؤل.
ليس عيباً أن نتعلم. العيب أن نظن أننا نعرف كل شيء.
وأنا اليوم، بكتابة هذه الكلمات، أعلن أنني لا أعرف الإجابات كاملة. لكنني أعرف إلى أين أتوجه:
إلى رئيس جامعة بنها معالي الدكتور ناصر الجيزاوي . إلى علمائها. 
إليهم نرسل تساؤلاتي، ومنهم أنتظر النور.
---وأخيراً...
الآلات تبرمج. أما الإنسان فيُربّى.
فهل نريد لأبنائنا أن يكونوا مُبرمَجين منفذين أم مُربّين مبدعين؟
القرار ليس قرار مراكز تدريب.
القرار قرارنا جميعاً. لكننا بحاجة إلى بصيرة العلماء في جامعة بنها ليرشدونا.
فهل نسمع صوت العلم قريباً؟
---مع كل الاحترام والتقدير،
عيسى المصري
كاتب مهتم بقضايا التعليم
القليوبية الأن 
الرأي للجميع... لكن الحكمة لمن يتعلم.