حكاية العسل الذي عبر من قلب الدلتا إلى مدينة الرسول
حين يُطرح سؤال: ما علاقة بنها بالمدينة المنورة؟ قد يبدو السؤال في ظاهره غريبًا؛ فبنها مدينة مصرية في قلب الدلتا، والمدينة المنورة في الحجاز، وبينهما مسافات جغرافية وتاريخية كبيرة. لكن العلاقة بينهما ليست علاقة حدود أو طرق أو نسب إداري، بل علاقة ذاكرة وتراث ورواية دينية وشعبية ارتبطت باسم بنها منذ قرون، وجعلت أهلها يرددون بفخر لقبًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم: “بنها العسل”.
العلاقة تبدأ من قصة شهيرة في كتب التراث، حين بعث النبي محمد ﷺ برسائل إلى عدد من ملوك وحكام عصره يدعوهم إلى الإسلام، وكان من بينهم المقوقس حاكم مصر. وتشير الروايات التاريخية إلى أن المقوقس رد على كتاب النبي ﷺ ردًا حسنًا، وأرسل إليه هدايا إلى المدينة المنورة، كان من بينها مارية القبطية، وسيرين، وبغلة، وثياب، وعسل. وتقول الرواية المتداولة إن هذا العسل كان من بنها، فارتبط اسم المدينة منذ ذلك الوقت بالعسل، وانتقلت شهرتها من أرض مصر إلى المدينة المنورة عبر هدية وصلت إلى بيت النبوة. وقد وردت قصة هدية المقوقس، ومنها العسل، في عدد من مصادر السيرة والتاريخ، بينما تذكر بعض المصادر المتأخرة أن العسل كان من بنها تحديدًا.
بنها العسل.. لقب لم يأت من فراغ
لم يكن لقب “بنها العسل” مجرد عبارة شعبية عابرة، بل هو لقب استقر في الوجدان المصري؛ لأن بنها اشتهرت قديمًا بحدائقها وزراعاتها وثمارها ومناحلها. فالمدينة تقع في منطقة زراعية خصبة، قريبة من النيل وفروع الري في دلتا مصر، وهذا جعلها عبر التاريخ بيئة صالحة للزراعة وإنتاج الثمار والعسل.
وتحكي الذاكرة الشعبية أن عسل بنها كان معروفًا بجودته، وأن المقوقس اختاره ضمن الهدايا التي أرسلها إلى النبي ﷺ، باعتباره من أجود ما اشتهرت به مصر في ذلك الوقت. ومن هنا أصبحت بنها في المخيال الشعبي ليست فقط مدينة زراعية، بل مدينة وصل اسمها إلى المدينة المنورة عبر هدية ذات رمزية كبيرة.
وفي الصياغة الصحفية الدقيقة، نستطيع أن نقول: تتداول كتب التراث والروايات الشعبية أن عسلًا من بنها كان ضمن هدايا المقوقس إلى النبي ﷺ في المدينة المنورة، ومن هنا ارتبطت بنها بلقب “بنها العسل”.
هل دعا النبي ﷺ لبنها وعسلها؟
هنا يجب التوقف بدقة، لأن الموضوع له جانب تراثي وجانب حديثي. الرواية المشهورة بين الناس تقول إن النبي ﷺ لما ذاق العسل وسأل عنه، قيل له إنه من قرية بمصر تسمى بنها، فقال: “اللهم بارك في بنها وفي عسلها” أو ما يقارب هذا المعنى.
لكن من الناحية العلمية، لا يجوز التعامل مع هذه العبارة باعتبارها حديثًا صحيحًا ثابتًا دون تنبيه. فقد ذكر موقع إسلام ويب أن ابن حجر نقل في “الإصابة” أن النبي ﷺ أعجبه العسل الذي أهداه المقوقس، وأنه دعا في عسل بنها بالبركة، وعزا ذلك إلى ابن عبد الحكم في “فتوح مصر”، لكن الإسناد فيه ضعف، وذكر أن الشيخ الألباني حكم على حديث “بارك الله في عسل بنها” بأنه منكر. كما يذكر موقع إسلام سؤال وجواب أن قصة هدايا المقوقس وردت في بعض المصادر، لكن ثبوت الدعاء الخاص ببنها وعسلها محل كلام من أهل الحديث.