كيف كان حجاج القليوبية يسافرون إلى مكة في القرن الماضي؟

رحلة العمر من قرى الدلتا إلى بيت الله الحرام.

رحلة العمر من قرى الدلتا إلى بيت الله الحرام.

القليوبية الآن

رحلة العمر من قرى الدلتا إلى بيت الله الحرام

في القرن الماضي، لم تكن رحلة الحج كما نعرفها اليوم: طائرة تقلع من القاهرة أو جدة، وتأشيرة إلكترونية، وفندق محجوز، وحافلة مكيفة تتحرك بين المشاعر. كانت رحلة الحج قديمًا حدثًا عظيمًا في حياة الأسرة والقرية كلها، وربما كان الحاج الواحد يصبح حديث البلد قبل سفره وبعد عودته. وفي محافظة القليوبية، مثل باقي محافظات مصر، كان السفر إلى مكة المكرمة في القرن الماضي رحلة طويلة وشاقة ومليئة بالمشاعر والطقوس الشعبية والقصص التراثية.

كان الحاج من بنها أو طوخ أو شبين القناطر أو القناطر الخيرية أو قليوب أو كفر شكر أو قها يستعد للحج قبل السفر بفترة طويلة. لم يكن الأمر مجرد تجهيز حقيبة، بل كان استعدادًا روحيًا واجتماعيًا وماليًا. الحاج يودع أهله وجيرانه، يطلب السماح من الناس، يسدد ما عليه من ديون إن استطاع، ويترك وصاياه لأبنائه، لأن السفر كان محفوفًا بالمشقة، والعودة لم تكن مضمونة كما هي اليوم.

من القليوبية إلى القاهرة.. بداية الطريق

كانت القليوبية بحكم قربها من القاهرة مرتبطة بطريق الحج المصري القديم. فالحجاج من قرى ومدن المحافظة كانوا يتجمعون أولًا في بيوتهم وسط الأهل والجيران، ثم يتحركون إلى القاهرة، إما بالدواب والعربات قديمًا، أو بالقطارات ووسائل النقل الحديثة نسبيًا في النصف الأول من القرن العشرين، خصوصًا من محطات مثل بنها وشبرا الخيمة وقليوب.

وكانت القاهرة هي محطة التجمع الكبرى، لأن المحمل المصري كان يخرج منها في طقوس احتفالية عظيمة. والمحمل كان موكبًا رسميًا وروحيًا ارتبط بإرسال كسوة الكعبة والهدايا وأموال أوقاف الحرمين إلى الحجاز، وكان يصاحبه أمير الحج والحراسة والحجاج. وتذكر مصادر تاريخية أن المحمل كان يدور في القاهرة في مواسم محددة، ثم يبدأ طريقه إلى الحجاز عبر درب الحج المصري.  

بالنسبة لحاج من القليوبية، كانت القاهرة تمثل بوابة الرحلة الكبرى. هناك يرى الحشود، ويسمع التكبير، ويشاهد أناسًا جاءوا من محافظات مختلفة، وربما من المغرب والشام والسودان، كلهم متجهون إلى مكان واحد: مكة المكرمة.

المحمل المصري.. المشهد الذي كان يهز قلوب الناس

كان المحمل المصري من أكثر المشاهد ارتباطًا بالحج في ذاكرة المصريين. لم يكن مجرد قافلة سفر، بل كان احتفالًا شعبيًا ودينيًا ورسميًا. كانت الكسوة تُجهز في مصر، وتخرج في موكب مهيب، وكانت الشوارع تمتلئ بالناس الذين يودعون المحمل والحجاج بالدعاء والزغاريد والدموع.

وتذكر وزارة الأوقاف المصرية أن تاريخ كسوة الكعبة والمحمل المصري يمثل جزءًا أصيلًا من التراث الإسلامي والمصري، وأن الرحلة كانت تستغرق في بعض مراحلها نحو أربعين يومًا.  

وكان الحجاج من القليوبية، بحكم قربهم من القاهرة، من أكثر الناس قدرة على حضور هذه الأجواء أو الالتحاق بها مبكرًا. فالقليوبي الذي يغادر قريته إلى الحج لم يكن يسافر وحده فقط، بل كان يدخل في مشهد مصري واسع، تتداخل فيه الدولة والدين والتراث الشعبي.

الطريق القديم.. من القاهرة إلى السويس ثم إلى الحجاز

في مراحل أقدم، كان طريق الحج المصري يبدأ من القاهرة متجهًا إلى مناطق مثل بركة الحاج، ثم عجرود، ثم السويس، ومنها إلى سيناء والحجاز. وتذكر مصادر تاريخية أن طريق الحج البري عبر سيناء كان يستغرق أيامًا طويلة، وأن القافلة كانت تمر بمحطات للتزود بالمياه والراحة. كما تشير تقارير أثرية إلى أن الطريق البحري عبر خليج السويس بدأ استخدامه بصورة أوضح منذ عام 1885 تقريبًا، بعد تراجع استخدام الطريق البري القديم عبر وسط سيناء.  

ومع دخول القرن العشرين، أصبح السفر البحري من السويس إلى جدة أكثر حضورًا. فكان الحاج المصري يتحرك من بلده إلى القاهرة، ثم إلى السويس، ثم يركب الباخرة عبر البحر الأحمر حتى جدة، ومنها يتجه إلى مكة المكرمة. وتذكر روايات عن المحمل المصري أن آخر رحلة للمحمل أبحرت من السويس إلى جدة ثم مكة والمدينة في يونيو 1926.  

وبذلك نستطيع أن نتخيل حاجًا من قرية في طوخ أو بنها أو شبين القناطر في أوائل القرن العشرين: يودعه أهل القرية، يركب إلى القاهرة، يلتحق بقافلة أو مجموعة حجاج، ثم يواصل الطريق إلى السويس، وهناك يرى البحر وربما يركب باخرة لأول مرة في حياته، ثم يعبر البحر الأحمر في رحلة طويلة شاقة، حتى يصل إلى جدة، ثم يكمل إلى مكة.

السفر بالبواخر.. مشقة البحر ورهبة الوصول

كانت الباخرة مرحلة صعبة في رحلة الحج. كثير من الحجاج لم يكونوا معتادين على البحر، وبعضهم كان يرى السفن الكبيرة لأول مرة. وكانت الرحلة البحرية تعني الزحام، وقلة الراحة، وطول الانتظار، والخوف من المرض، والتعب الناتج عن اضطراب البحر.

ومع ذلك، كان الحجاج يتحملون كل ذلك بروح عالية، لأنهم يشعرون أنهم في طريقهم إلى بيت الله. كانت الألسنة تردد التلبية، والقلوب معلقة بالكعبة، والعيون تراقب البحر كأنه اختبار طويل قبل الوصول إلى الرحاب المقدسة.

وقد وثقت بعض الرحلات المصرية القديمة مشاهد شديدة الأهمية من رحلة الحج في أوائل القرن العشرين. ومن أشهرها رحلات محمد علي أفندي السعودي عامي 1904 و1908، التي قدمت وصفًا مصورًا ونادرًا لرحلة الحجاج المصريين إلى الحجاز ضمن قافلة الحج المصرية المصاحبة للمحمل.  

من جدة إلى مكة.. المرحلة الأخيرة قبل الحلم

بعد الوصول إلى جدة، لم تكن الرحلة تنتهي. كان على الحجاج أن يتحركوا إلى مكة، وكانت وسائل الانتقال في بدايات القرن الماضي مختلفة تمامًا عن اليوم. في مراحل كثيرة، كانت القوافل والجمال والدواب هي الوسيلة الأساسية. ثم بدأت السيارات تدخل تدريجيًا في العقود التالية، لكنها لم تكن متاحة للجميع بنفس الصورة.

كانت هذه المرحلة محملة بالمشاعر. الحاج يكون قد قطع من قريته في القليوبية إلى القاهرة، ثم السويس، ثم جدة، ثم يقترب أخيرًا من مكة. كل خطوة كانت تحمل معنى روحيًا. وكلما اقترب الحاج من الحرم، زادت الدموع والدعوات.

وكانت لحظة رؤية الكعبة لأول مرة واحدة من أعظم لحظات العمر. كثير من الحجاج كانوا يعودون ويحكون لأهلهم: “أول ما شفت الكعبة نسيت التعب كله”. هذه الجملة، أو ما يشبهها، تكررت في ذاكرة آلاف الحجاج المصريين عبر الأجيال.

الحج في ذاكرة قرى القليوبية

في قرى القليوبية، كان سفر الحاج حدثًا اجتماعيًا كبيرًا. القرية كلها تعرف أن فلانًا “طالع الحج”. كان الناس يذهبون لزيارته قبل السفر، يطلبون منه الدعاء، ويعطونه أسماءهم أو رسائلهم الشفوية: “ادعيلي عند الكعبة”، “افتكرني في عرفات”، “سلم لنا على النبي”.

وكانت الأسرة تجهز للحاج ملابسه البيضاء، وبعض الطعام الجاف، وربما النقود التي تكفي الطريق. وكانت السيدات يجهزن الزاد، والجيران يساعدون، والأطفال ينظرون للحاج بإعجاب كأنه ذاهب إلى عالم مقدس بعيد.

وقبل السفر كانت هناك عادة مهمة: طلب السماح. الحاج يمر على الأقارب والجيران ويقول لهم: “سامحوني”، وكأن الحج ليس رحلة جسد فقط، بل رحلة لتصفية القلب من الخصومات والضغائن. وكانت هذه العادة من أجمل معاني الحج في الريف المصري.

وداع الحجاج.. الزغاريد والدموع

كان مشهد الوداع من أكثر المشاهد التراثية تأثيرًا. حين يخرج الحاج من بيته، تتجمع النساء بالزغاريد، والرجال بالدعاء، والأطفال حول الباب، وربما يخرج معه أهل القرية حتى أول الطريق أو محطة القطار.

كانت الزغاريد لا تعني الفرح فقط، بل تعني الفخر أيضًا. فالأسرة التي يخرج منها حاج كانت تشعر بمكانة خاصة. والحاج نفسه كان يُنظر إليه باعتباره ذاهبًا إلى مقام عظيم، وقد يعود بلقب جديد: الحاج فلان، وهو لقب كان له وزن اجتماعي واحترام كبير في القرى.

وفي بعض القرى، كانت النساء يرددن عبارات وداعية مثل:
“رايح بيت الله يا حاج.. ما تنساناش في الدعاء”
“يا رايحين للنبي الغالي.. هنيالكم وعقبالنا”
وهذه العبارات لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيرًا عن شوق جماعي للحج في زمن كان السفر فيه صعبًا ومكلفًا.

العودة من الحج.. يوم عيد في القرية

كما كان السفر حدثًا كبيرًا، كانت العودة أكبر. عندما يعود الحاج من مكة، تتحول القرية إلى حالة فرح. الناس تذهب لاستقباله، والبعض يعلق الزينة، وتُفتح البيوت للزوار، ويبدأ الحاج في توزيع الهدايا البسيطة: سبحة، تمر، ماء زمزم، عطر، سجادة صلاة، أو قطعة قماش من الحجاز.

ولم تكن قيمة الهدية في ثمنها، بل في معناها. ماء زمزم كان له مكانة خاصة. الناس تشرب منه بتبرك ومحبة. والتمر القادم من الحجاز كان يحمل في الوجدان رائحة المدينة ومكة.

وكان الحاج يعود بالحكايات: يحكي عن الكعبة، وعن الطواف، وعن عرفات، وعن الزحام، وعن السفر في البحر، وعن مشقة الطريق، وعن أناس قابلهم من بلاد مختلفة. هذه الحكايات كانت تتحول إلى “مجلس تراثي” داخل البيت أو الدوار، يجلس فيه الكبار والصغار لسماع تفاصيل الرحلة.

رسومات الحج على جدران البيوت

من أشهر العادات التراثية في مصر، ومنها قرى القليوبية، عادة رسم مشاهد الحج على واجهات البيوت بعد عودة الحاج. كان يُرسم على الجدار شكل الكعبة، والجمل، والسفينة أو الطائرة في الفترات الأحدث، وأحيانًا تُكتب عبارة: “حج مبرور وذنب مغفور” أو “ما شاء الله.. الحاج فلان”.

هذه الرسومات كانت بمثابة شهادة شعبية بأن صاحب البيت أدى فريضة الحج. وكانت الواجهة تتحول إلى لوحة ذاكرة، تحكي أن أحد أبناء هذا البيت وصل إلى مكة وعاد منها. في الريف، لم تكن هذه الرسومات مجرد زينة، بل كانت جزءًا من مكانة الحاج الاجتماعية.

وفي القليوبية، خصوصًا في القرى القديمة، يمكن أن تجد في الذاكرة الشعبية بيوتًا كانت تُعرف بأن أصحابها عادوا من الحج، لأن على واجهتها رسمة كعبة أو جمل أو سفينة أو عبارة دينية.

أهم القصص التراثية المرتبطة بحجاج القليوبية

هناك قصص كثيرة لا تُكتب عادة في الكتب، لكنها تعيش في ذاكرة القرى. وهي ليست دائمًا قصصًا موثقة بالأسماء والتواريخ، لكنها تمثل “روح المرحلة” وطريقة الناس في النظر إلى الحج.

من أشهر هذه القصص أن بعض الحجاج كانوا يودعون أهاليهم وكأنهم في وداع أخير. فطول الطريق ومشقته جعل الناس يتعاملون مع الحج باعتباره سفرًا كبيرًا لا يشبه أي سفر. لذلك كان الحاج يوصي أبناءه، ويصالح من خاصمه، ويترك مفاتيح البيت أو الأرض لأحد أبنائه أو إخوته.

ومن القصص التراثية أيضًا أن بعض الحجاج كانوا يحملون معهم أمانات صغيرة من أهل القرية: ورقة فيها أسماء للدعاء، أو مبلغًا بسيطًا لشراء سبحة أو تمر، أو طلبًا بأن يدعو لشخص مريض أو فتاة تتمنى الزواج أو شاب يبحث عن الرزق. الحاج كان يصبح سفير القرية إلى الحرم.

وهناك حكايات عن “الحاج الذي عاد بماء زمزم”، وكان الناس يزورونه ليسمعوا منه ويشربوا من الزمزم، وكأن البركة انتقلت من مكة إلى بيت صغير في قرية من قرى القليوبية.

ومن القصص المتكررة أيضًا أن بعض الحجاج كانوا يحكون عن أول مرة رأوا فيها البحر في السويس، أو أول مرة ركبوا فيها الباخرة، أو أول مرة دخلوا فيها مكة. هذه الحكايات كانت تنقل للأجيال صورة عن عالم بعيد، قبل زمن التلفزيون والإنترنت ووسائل السفر السريعة.

القليوبية والحج.. لماذا كانت الرحلة مختلفة؟

خصوصية القليوبية في رحلة الحج القديمة أنها قريبة من القاهرة، وبالتالي كان حجاجها أكثر ارتباطًا بالمشهد المركزي للمحمل المصري. فالحاج من الصعيد أو الوجه البحري البعيد كان يقطع مسافة طويلة قبل الوصول إلى القاهرة، أما حاج القليوبية فكان قريبًا من مركز التجمع والانطلاق.

هذا القرب جعل بعض أهالي القليوبية يشاهدون طقوس المحمل أو يسمعون عنها مباشرة، ويشاركون في وداع الحجاج من القاهرة أو من محطات القطار القريبة. كما أن مدن القليوبية، خصوصًا بنها وشبرا الخيمة وقليوب، كانت مرتبطة بشبكات النقل التي سهلت انتقال الحجاج إلى القاهرة أو السويس في مراحل لاحقة.

من المحمل إلى الطائرة.. تغير الوسيلة وبقاء المعنى

مع مرور العقود، تغيرت رحلة الحج. اختفى المحمل المصري كطقس رسمي بعد الاضطرابات السياسية في الحجاز في عشرينيات القرن العشرين، وتطورت وسائل السفر من القوافل إلى البواخر ثم السيارات ثم الطائرات. وتشير تقارير تاريخية إلى أن موسم 1926 كان من المواسم الفاصلة في تاريخ المحمل المصري، حيث أبحر المحمل من السويس إلى جدة ثم مكة والمدينة، وكانت تلك من آخر محطاته الكبرى.  

لكن رغم تغير الوسيلة، بقي المعنى كما هو. الحاج لا يزال يخرج من بيته محمولًا بدعوات أهله، ولا يزال الناس يطلبون منه الدعاء، ولا تزال العودة من الحج فرحة كبيرة، وإن أصبحت الرحلة أسهل وأسرع وأكثر تنظيمًا.