ليست العلاقة بين مصر وليبيا علاقة جوار عادي بين دولتين تفصل بينهما خطوط مرسومة على الخرائط، وليست مجرد حدود ممتدة في الصحراء الغربية، ولا معابر رسمية، ولا مصالح اقتصادية متبادلة فقط. إن ما يجمع مصر وليبيا أعمق من ذلك بكثير؛ إنه تاريخ ممتد، ونسب متجذر، وذاكرة واحدة، ومصير مشترك، وروابط إنسانية وقبلية واجتماعية صنعت عبر الزمن نسيجًا لا تنجح السياسة في قطعه، ولا تستطيع الجغرافيا أن تختصره في خط حدودي.
فمصر وليبيا لم تكونا يومًا غريبتين عن بعضهما. من الغرب المصري إلى الشرق الليبي، تمتد حكاية طويلة من التداخل الإنساني والقبلي والعربي، حيث تشابهت الوجوه، وتقاربت اللهجات، وتداخلت العائلات، وامتدت القبائل العربية الأصيلة على جانبي الحدود، تحمل أسماءها وتاريخها وقيمها وعاداتها وتقاليدها. هناك لا تبدو الحدود فاصلًا بين شعبين، بل تبدو كأنها ممر بين أهل وأهل، وبين دم ودم، وبين وطنين جمعتهما عروبة واحدة ووجدان واحد.
ومن هنا، فإن الحديث عن ليبيا بالنسبة للمصريين ليس حديثًا عن دولة بعيدة، بل عن شقيقة قريبة، وعن امتداد طبيعي في الجغرافيا والروح. كما أن الحديث عن مصر بالنسبة لأبناء ليبيا ليس حديثًا عن جار شرقي فقط، بل عن عمق تاريخي وإنساني، وعن حضن عربي كبير، وعن بلد ظل حاضرًا في وجدان الليبيين كما ظلت ليبيا حاضرة في وجدان المصريين.
لقد صنعت القبائل العربية على أرض مصر وليبيا جسرًا عظيمًا من التواصل، فهي لم تكن مجرد كيانات اجتماعية تقليدية، بل كانت حاملة للهوية والقيم والشرف والكرم والوفاء وصون العهد. هذه القبائل التي انتشرت في الصحراء والواحات والسواحل والنجوع، حملت معها أخلاق العروبة الأصيلة: إغاثة الملهوف، إكرام الضيف، حماية الجار، احترام الكبير، وحفظ الدم والنسب والتاريخ.
ولهذا حين نوجه التحية إلى كل مواطن ليبي، فإننا لا نوجهها من باب المجاملة، بل من باب الاعتراف بحق الأخوة والتاريخ. وحين نوجه التحية إلى قبائلنا العربية الأصيلة على أرض ليبيا وعلى أرض مصر، فإننا نحيي فيهم معنى الثبات والأصالة والامتداد. نحيي فيهم ذاكرة الأجداد، وكرامة الأرض، وصلابة الرجال، وحكمة الشيوخ، ودور العائلات التي ظلت عبر الزمن صمام أمان في المجتمعات، وحافظة للتراث والهوية.
إن مصر وليبيا جمعتهما لحظات كثيرة من التاريخ، كما جمعتهما تحديات كثيرة. وما بين البلدين من روابط لا يمكن أن يهتز أمام أزمة عابرة أو خلاف مؤقت أو اضطراب سياسي. فالعلاقات بين الشعوب أعمق من تغيرات السياسة، وروابط الدم والنسب والمصاهرة والجيرة أقوى من أي خطاب يحاول أن يصنع مسافة بين الأشقاء.
وفي كل مرحلة صعبة تمر بها المنطقة، تظهر قيمة هذه الروابط. فالأمن القومي المصري والليبي متصل، واستقرار ليبيا هو استقرار لمصر، وقوة مصر سند لليبيا، وأمان الحدود ليس مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية تاريخية مشتركة. فحين تكون ليبيا مستقرة آمنة موحدة، تكون مصر أكثر أمنًا وطمأنينة، وحين تكون مصر قوية ثابتة، تكون سندًا لأشقائها في الغرب العربي كله.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط الحديث عن الماضي، بل بناء مستقبل يليق بهذا الماضي. مستقبل يقوم على التعاون، والتنمية، وإعادة الإعمار، وفتح مسارات العمل والاستثمار، وحماية الشباب من الفوضى والتطرف والهجرة غير الآمنة، وتعزيز التبادل الثقافي والاجتماعي بين أبناء الشعبين. فالعلاقة بين مصر وليبيا يجب أن تظل علاقة حياة وبناء، لا علاقة حدود وحراسة فقط.
إننا أمام شعبين يعرف كل منهما الآخر جيدًا. المصريون عاشوا وعملوا في ليبيا لعقود، وساهموا في البناء والتعليم والصناعة والخدمات. والليبيون وجدوا في مصر بلدًا قريبًا وبيتًا مفتوحًا، للعلاج والتعليم والإقامة والتواصل والزيارات. هذه العلاقة اليومية بين الناس هي التي تمنح الروابط الرسمية معناها الحقيقي، لأن السياسة قد توقع اتفاقيات، لكن الشعوب وحدها هي التي تمنح الاتفاقيات روحًا واستمرارًا.
ومن هنا تأتي أهمية الخطاب الواعي الذي يرفض أي محاولة للوقيعة بين الشعبين. لا يجب أن نسمح لصوت متطرف أو موقف فردي أو أزمة عابرة بأن يختطف علاقة عمرها قرون. ولا يجب أن نقبل بأي خطاب يسيء إلى الأشقاء أو يتجاهل عمق العلاقات بين مصر وليبيا. فالشعبان أكبر من أي خلاف، والتاريخ أقوى من أي محاولة تشويه، والعروبة الحقيقية لا تعرف التنكر للأهل وقت الشدة.
تحية صادقة لكل مواطن ليبي شريف يحب بلده ويحفظ كرامته، وتحية لكل قبيلة عربية أصيلة على أرض ليبيا حملت القيم وحافظت على النسب وصانت العهد، وتحية لكل أبناء القبائل العربية على أرض مصر الذين يمثلون امتدادًا لهذا الجذر الواحد، وتحية لكل من يؤمن أن مستقبل المنطقة لا يبنى إلا بالتعاون، وأن الأخوة ليست شعارًا يقال في المناسبات، بل موقف يظهر وقت الأزمات.
إن مصر وليبيا بينهما ما هو أكبر من السياسة وأعمق من الجغرافيا. بينهما دم لا ينكر، ونسب لا ينقطع، وتاريخ لا يمحى، ومصير لا يمكن فصله. ومن يقرأ خريطة المنطقة بعين الوعي يدرك أن قوة مصر وليبيا معًا هي قوة للعرب، وأن استقرار البلدين هو ركيزة لاستقرار شمال أفريقيا والمنطقة كلها.
ستبقى مصر وليبيا شقيقتين، مهما تغيرت الظروف. وستبقى القبائل العربية الأصيلة على الجانبين شاهدًا حيًا على أن الحدود قد ترسمها الدول، لكن الروابط تصنعها الشعوب. وستبقى التحية واجبة لكل ليبي أصيل، ولكل مصري أصيل، ولكل من يرى في هذه العلاقة عهدًا تاريخيًا يجب أن يصان.
فمصر وليبيا ليستا مجرد دولتين متجاورتين؛ إنهما حكاية واحدة كتبتها الجغرافيا، وحفظها التاريخ، ورسخها النسب، وحمتها العروبة، وسيحملها المستقبل ما دام في الشعبين رجال يعرفون معنى الأخوة، ويحفظون قيمة الوطن، ويؤمنون أن المصير المشترك لا تصنعه الكلمات، بل تصنعه المواقف.