شاهد.. سعد زغلول في قلب بنها: حكاية زعيم لم يولد في القليوبية لكنه عاش في ذاكرتها الوطنية

 سعد زغلول في قلب بنها

سعد زغلول في قلب بنها

القليوبية الآن

في قلب مدينة بنها، وبين زحام الشوارع وحركة المواطنين اليومية، يقف اسم سعد زغلول حاضرًا لا يغيب. ليس فقط كزعيم وطني ارتبط اسمه بثورة 1919، ولكن كرمز محفور في ذاكرة القليوبية، من خلال ميدان وتمثال ونفق وشارع، ومن خلال حكاية وطنية أوسع شاركت فيها المحافظة ضمن موجة الغضب الشعبي ضد الاحتلال البريطاني.

لم يكن سعد زغلول من أبناء القليوبية مولدًا أو نسبًا، لكنه أصبح حاضرًا في وجدانها بالتاريخ والرمز والذاكرة. فالقليوبية، بحكم موقعها القريب من القاهرة وامتدادها الحيوي نحو الدلتا، لم تكن بعيدة عن لحظة الانفجار الوطني في مارس 1919، حين تحولت مصر كلها إلى صوت واحد يطالب بالحرية والاستقلال.

البداية.. من نفي سعد زغلول إلى اشتعال الشارع المصري

في 8 مارس 1919، ألقت سلطات الاحتلال البريطاني القبض على سعد زغلول وعدد من رفاقه ونفتهم إلى مالطة، وهو الحدث الذي أشعل فتيل ثورة 1919 في مختلف أنحاء مصر. خرج الطلاب والعمال والفلاحون والموظفون، وتحولت الثورة إلى موجة شعبية كبرى عبرت عن رفض المصريين للاحتلال، وارتبط اسم سعد زغلول منذ تلك اللحظة بصورة الزعيم الذي وحّد الناس خلف مطلب الاستقلال.  

ولم تكن القليوبية بعيدة عن هذا المشهد، فقد كانت المحافظة بحكم موقعها الجغرافي جزءًا من الطريق الحيوي بين القاهرة والوجه البحري، وكانت خطوط السكة الحديد والمواصلات عنصرًا مهمًا في حركة الأحداث، خاصة في مدينة قليوب وما حولها.

قليوب في قلب أحداث 1919

تشير كتابات تاريخية إلى أن عمال عنابر السكة الحديد ومدينة قليوب بمحافظة القليوبية كان لهم حضور واضح ضمن أحداث يوم 15 مارس 1919، في سياق ثورة المصريين التي اندلعت بعد القبض على سعد زغلول ورفاقه ونفيهم. وهذا يوضح أن القليوبية لم تكن مجرد محافظة تتابع ما يحدث من بعيد، بل كانت جزءًا من حالة الغليان الوطني التي اجتاحت البلاد.  

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين سعد زغلول والقليوبية: علاقة ليست قائمة على الميلاد أو الإقامة، وإنما على الاشتراك في الذاكرة الوطنية. فالزعيم كان عنوانًا للحركة، والقليوبية كانت واحدة من المساحات التي انعكست فيها هذه الحركة على الأرض.

قليوب

بنها تخلد الزعيم بتمثال في قلب المدينة

في مدينة بنها، تحول سعد زغلول من اسم سياسي إلى معلم بصري معروف. فميدان تمثال سعد زغلول يعد من أشهر ميادين المدينة والمحافظة، ويرتبط في الوعي الشعبي بتاريخ الحركة الوطنية المصرية وثورة 1919.

ويرجع تاريخ إنشاء تمثال سعد زغلول بمدينة بنها إلى عام 1936، وقام بتنفيذه الفنان والنحات المصري السيد مرسي صادق، ليصبح التمثال بعد ذلك شاهدًا على حقبة مهمة من تاريخ مصر الحديث.  

هذا التمثال ليس مجرد قطعة فنية في ميدان، بل هو رسالة تاريخية مفتوحة. فكل من يمر في قلب بنها يلتقي بصورة الزعيم الذي ارتبط اسمه بالاستقلال والدستور والحركة الشعبية المصرية. ومع مرور السنين، أصبح المكان جزءًا من الذاكرة اليومية لأهالي المدينة.

سعدد

من رمز تاريخي إلى معلم يومي في حياة الناس

لا تقتصر علاقة اسم سعد زغلول ببنها على التمثال فقط، فهناك أيضًا نفق سعد زغلول، أحد المعالم المرورية المهمة في المدينة، والذي يربط بين مناطق حيوية مثل حي المنشية ووسط مدينة بنها وبنها الجديدة. وقد ناقشت محافظة القليوبية في يناير 2025 أعمال توسعة النفق بهدف تخفيف التكدسات المرورية وتحسين حركة المواطنين داخل المدينة.  

وهنا تظهر مفارقة مهمة: اسم سعد زغلول لم يبقَ حبيس كتب التاريخ، بل دخل في الحياة اليومية لأهالي بنها. الناس تمر من ميدان سعد زغلول، وتتحدث عن نفق سعد زغلول، وتستخدم الاسم في وصف المكان والاتجاهات والحركة. وهكذا يتحول التاريخ إلى جزء من جغرافيا المدينة.

لماذا احتفظت القليوبية باسم سعد زغلول؟

احتفاظ القليوبية باسم سعد زغلول في قلب بنها يحمل أكثر من دلالة. فهو أولًا تعبير عن تقدير المحافظة لرموز الحركة الوطنية المصرية. وهو ثانيًا ربط بين الذاكرة المحلية والذاكرة الوطنية العامة. وهو ثالثًا تأكيد أن المدن لا تتكون فقط من الشوارع والمباني، بل من الرموز التي تعطي للمكان معنى.

فحين تضع مدينة مثل بنها تمثالًا لسعد زغلول في واحد من أشهر ميادينها، فهي لا تخلد شخصًا فقط، بل تخلد مرحلة كاملة من تاريخ مصر، مرحلة خرج فيها المصريون بمختلف طبقاتهم يطالبون بحقهم في وطن مستقل.

القليوبية وثورة 1919.. ذاكرة تحتاج إلى إحياء

تحتاج القليوبية اليوم إلى إعادة قراءة دورها في التاريخ الوطني، ليس فقط من خلال أسماء الشوارع والميادين، ولكن من خلال موضوعات وثائقية ومحتوى بصري يشرح للأجيال الجديدة معنى هذه الرموز.

فكثيرون يمرون أمام تمثال سعد زغلول في بنها دون أن يعرفوا قصة إنشائه، وكثيرون يستخدمون نفق سعد زغلول دون أن يتوقفوا أمام السؤال: لماذا يحمل هذا المكان اسم الزعيم؟ وما الذي مثله سعد زغلول في حياة المصريين؟ وما نصيب القليوبية من هذه الحكاية؟

هذه الأسئلة تفتح الباب أمام مشروع توثيقي مهم، لأن المحافظة ليست مجرد موقع جغرافي بجوار القاهرة، بل كانت دائمًا جزءًا من حركة مصر السياسية والاجتماعية، من الريف إلى المدينة، ومن السكة الحديد إلى الميادين.

ثورة1919

زعيم لم يولد هنا لكنه بقي هنا

في النهاية، يمكن القول إن سعد زغلول لم يكن قليوبيًا بالمولد، لكنه صار قريبًا من القليوبية بالرمز والتاريخ. فقد شاركت المحافظة في أجواء ثورة 1919، واحتفظت بنها باسمه في ميدان وتمثال ونفق، ليظل حاضرًا في قلب المدينة وفي ذاكرة أهلها.

إن حكاية سعد زغلول مع القليوبية هي حكاية وطن يتذكر رجاله، ومحافظة تحتفظ برموزها، ومدينة جعلت من اسم الزعيم علامة على ميدان ونفق وذاكرة لا تنتهي.

القليوبية الآن تفتح هذا الملف الوثائقي لتقول إن تاريخ المحافظة لا يعيش فقط في الكتب، بل في الشوارع والميادين، وفي الحكايات التي يجب أن تُروى من جديد للأجيال القادمة.

سعد زعلول