حين تتحول خطط الإصلاح إلى واقع يصنع المستقبل

النائب حسن عمر حسنين عضو مجلس النواب

النائب حسن عمر حسنين عضو مجلس النواب

لم يعد الحديث عن جودة التعليم في مصر مجرد شعار يرفع في المؤتمرات أو هدف مؤجل في الخطط الحكومية، بل أصبح ملفًا حاضرًا بقوة في قلب مشروع بناء الإنسان المصري، باعتباره الأساس الحقيقي لأي نهضة اقتصادية واجتماعية وتنموية.

فالدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة أدركت أن تطوير التعليم لا يعني فقط بناء مدارس جديدة أو زيادة عدد الفصول، رغم أهمية ذلك، لكنه يعني قبل كل شيء إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها: ماذا يتعلم الطالب؟ كيف يتعلم؟ وهل يخرج من المدرسة قادرًا على التفكير والتحليل والإبداع، أم مجرد حافظ للمعلومات؟

ومن هنا تأتي أهمية التصريحات الدولية الأخيرة التي أشادت بجهود مصر في إصلاح التعليم، وخاصة ما أكدته ناتاليا روسي، ممثلة منظمة اليونيسف في مصر، خلال فعاليات مؤتمر «استشراف مستقبل مصر في التعليم»، حين قالت إن مصر شرعت في تنفيذ واحدة من أكثر خطط إصلاح التعليم طموحًا في المنطقة، ونجحت في تحويل الإصلاحات إلى تغيير حقيقي داخل النظام التعليمي.

هذه الشهادة ليست مجرد مجاملة دبلوماسية، لكنها تعكس أن هناك تحولًا فعليًا في التعامل مع ملف التعليم، وأن الدولة انتقلت من مرحلة تشخيص المشكلات إلى مرحلة العمل والتنفيذ، وهو ما أكدته أيضًا إيسوهي إيجبايكي، رئيسة ملف الشراكة القُطرية لمصر بالشراكة العالمية من أجل التعليم GPE، عندما أشارت إلى أن مصر انتقلت من تشخيص التحديات إلى تنفيذ حلول إصلاحية شاملة.

والحقيقة أن جودة التعليم لا تتحقق بقرار واحد، ولا تظهر نتائجها بين ليلة وضحاها، لكنها تحتاج إلى رؤية ممتدة، ومناهج أكثر ارتباطًا بالحياة، ومعلم مؤهل، ومدرسة قادرة على احتضان الطالب، ونظام تقييم يقيس الفهم والمهارة لا الحفظ والتلقين.

وقد بدأت مصر بالفعل في التحرك على هذه المحاور، من خلال تطوير المناهج، والاهتمام بالتعلم الرقمي، وإدخال أدوات جديدة في العملية التعليمية، والسعي إلى بناء نظام أكثر قدرة على مواكبة متطلبات العصر وسوق العمل.

إن اختيار مصر ضمن الدفعة الأولى من الدول عالميًا للحصول على تعاون فني من منظمة اليونيسف في مجال تطوير التعلم الرقمي وإصلاح التعليم، يعكس ثقة دولية في جدية الدولة المصرية وقدرتها على تنفيذ إصلاحات واسعة النطاق، كما يعكس أن مصر لم تعد تتحرك بمعزل عن الخبرات العالمية، بل تسعى إلى الاستفادة من الشراكات الدولية في دعم جودة التعليم وتطوير أدواته.

لكن الطريق ما زال يحتاج إلى مزيد من الجهد، فجودة التعليم لا تقاس فقط بما يعلن في المؤتمرات، بل بما يشعر به الطالب داخل الفصل، وبما يلمسه ولي الأمر في مستوى ابنه، وبما يراه المجتمع في خريج قادر على التفكير والعمل والمنافسة.

ولذلك فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يجب أن يكون على المعلم، لأنه حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي، فلا يمكن أن نتحدث عن جودة تعليم حقيقية دون تدريب مستمر للمعلمين، وتحسين بيئة العمل داخل المدارس، وتوفير أدوات تعليمية حديثة تساعدهم على أداء رسالتهم.

كما أن التحول الرقمي في التعليم يجب ألا يكون مجرد أجهزة أو منصات إلكترونية، بل ثقافة تعليمية جديدة تجعل الطالب قادرًا على البحث، والفهم، واستخدام التكنولوجيا في التعلم لا في الترفيه فقط.

إن مصر تتقدم في ملف التعليم، وهذا التقدم يحتاج إلى دعم مجتمعي وإعلامي وبرلماني مستمر، لأن إصلاح التعليم ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية دولة كاملة: أسرة، ومدرسة، ومجتمع، ومؤسسات.

وفي النهاية، فإن ما تحظى به تجربة مصر من إشادة دولية يؤكد أن الطريق بدأ، وأن الإصلاح يتحرك، وأن جودة التعليم أصبحت هدفًا وطنيًا لا يمكن التراجع عنه، فالأمم لا تبني مستقبلها بالشعارات، بل تبنيه بعقول أبنائها، ومصر اليوم تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الفصل، ومن عقل الطالب، ومن مدرسة قادرة على صناعة جيل جديد يليق بالجمهورية الجديدة.