اللواء د. رضا فرحات يكتب ..كيف أعادت السوشيال ميديا تشكيل وعينا؟

د. رضا فرحات

د. رضا فرحات

د. رضا فرحات

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل أو تبادل الأخبار والآراء، بل أصبحت قوة هائلة تعيد تشكيل وعي المجتمعات وتؤثر في طريقة تفكير الأفراد وإدراكهم للواقع، فما بدأ كمساحة مفتوحة للتفاعل الإنساني وتبادل المعرفة، تحول تدريجيا إلى عالم شديد التعقيد تتحكم فيه الخوارزميات، وتتنافس داخله الأفكار والمعلومات والصور والمشاعر على جذب الانتباه والسيطرة على العقل.

لقد دخلت السوشيال ميديا إلى تفاصيل حياتنا اليومية بدرجة غير مسبوقة، نستيقظ عليها صباحا، وننهي يومنا معها، ونتابع من خلالها الأخبار، ونبني مواقفنا، ونكون انطباعاتنا عن الأشخاص والأحداث والعالم، ومع هذا الحضور الكثيف، لم تعد هذه المنصات مجرد وسيط رقمي، بل أصبحت بيئة كاملة نعيش داخلها، تؤثر في وعينا، وفي علاقتنا بالحقيقة، وفي طريقة رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين.

إن خطورة هذه المنصات تكمن في أنها لا تعمل بشكل عشوائي، بل وفق أنظمة دقيقة تعتمد على تحليل السلوك البشري وفهم دوافعه النفسية، فهي تعرف ما يجذب انتباه المستخدم، وما يثير غضبه، وما يدفعه للتفاعل أو المشاركة أو البقاء لفترة أطول، وكلما زاد الوقت الذي نقضيه داخل هذه المنصات، زادت قدرتها على معرفة اهتماماتنا وتوجيه ما نراه ونقرأه وننخرط فيه.

وهنا تتحول المسألة من مجرد استخدام يومي إلى علاقة غير متوازنة بين الإنسان والمنصة؛ المستخدم يظن أنه يختار بحرية، بينما الخوارزمية في كثير من الأحيان هي التي تختار له ما يراه، وما يتابعه، وما يقتنع به تدريجيا، إنها لا تقدم له العالم كما هو، بل تقدم له نسخة منتقاة ومصممة خصيصا لتناسب اهتماماته وانفعالاته السابقة.

ومن أخطر ما أفرزته هذه البيئة الرقمية هو تراجع الحدود الفاصلة بين الحقيقة والزيف، فالمعلومة لم تعد تقاس بمدى صحتها، بل بسرعة انتشارها، وحجم التفاعل معها، والمحتوى الأكثر إثارة أو صدمة أو استفزازا غالبا ما يحصد الانتشار الأكبر، حتى لو كان مضللا أو مفبركا أو منزوعة منه الحقائق الأساسية، وهكذا تجد الشائعة طريقها إلى الملايين خلال دقائق، بينما تتأخر الحقيقة، أو تصل ضعيفة ومحدودة التأثير.

هذه الأزمة لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل بآليات تشكيل الرأي العام نفسه، فمع الوقت، يعيش كل فرد داخل دائرة رقمية مغلقة، يرى فيها ما يشبهه، ويقرأ ما يوافق أفكاره، ويتفاعل مع من يكررون قناعاته ذاتها، ومع تكرار هذا النمط، تتراجع مساحة الحوار الحقيقي، ويضعف تقبل الاختلاف، ويتحول المجال العام إلى جزر منعزلة من الآراء المتصارعة التي لا تستمع إلى بعضها البعض.

أما في المجال السياسي، فتتضاعف خطورة هذه الظاهرة بصورة أكبر، فقد أصبحت السوشيال ميديا أداة مركزية في معارك التأثير السياسي وصناعة الرأي العام، بل وفي توجيه المزاج المجتمعي نفسه، تستخدمها جماعات متطرفة، وتنظيمات عابرة للحدود، ودوائر منظمة لبث الشائعات، وترويج الأكاذيب، واستهداف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وخلق حالة من الارتباك والشك والانقسام داخل المجتمعات.

ولم تعد الحروب الحديثة تعتمد فقط على السلاح التقليدي، بل باتت المعركة على الوعي واحدة من أخطر ساحات الصراع، التلاعب بالمعلومة أصبح قادرا على إرباك المجتمعات، والتأثير في قراراتها، وتوجيه مشاعرها الجماعية، وصناعة أزمات كاملة من منشور أو فيديو أو وسم ينتشر في لحظات.

لكن رغم كل ذلك، فإن المواجهة ليست مستحيلة، الإنسان لا يزال قادرا على استعادة زمام وعيه إذا امتلك أدوات الفهم والنقد والتمييز، والبداية تكون بإدراك أن ما نراه على هذه المنصات ليس الحقيقة الكاملة، وأن كل محتوى يحتاج إلى مراجعة وتحقق وتفكير قبل التصديق أو إعادة النشر.

كما أن استعادة التوازن مع العالم الرقمي تتطلب أن نعيد تنظيم علاقتنا بالوقت، وأن نمنح أنفسنا مساحات بعيدة عن الشاشة؛ للقراءة، والتأمل، والنقاش المباشر، والتفاعل الإنساني الحقيقي، فالعقل يحتاج إلى الهدوء بقدر ما يحتاج إلى المعرفة، ويحتاج إلى المسافة حتى يرى الصورة كاملة.

كذلك تصبح التربية الإعلامية والوعي الرقمي ضرورة مجتمعية وليست رفاهية ثقافية، خاصة لدى الأجيال الجديدة التي نشأت داخل هذا العالم المفتوح بلا حواجز، فتعليم مهارات التحقق من المعلومات، وفهم كيف تعمل الخوارزميات، والتمييز بين الخبر والرأي والدعاية، أصبح جزءا أساسيا من حماية الوعي العام والأمن الفكري للمجتمع.

في النهاية، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت فوائد كبيرة، وفتحت آفاقا واسعة للتواصل والمعرفة والوصول إلى المعلومات، لكن المشكلة ليست في وجود هذه الأدوات، بل في طريقة استخدامها، وفي درجة وعينا بها وبآثارها علينا.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس كيف نغادر هذا العالم الرقمي، فهذا لم يعد ممكنا، وإنما كيف نعيش داخله دون أن نفقد استقلالنا الفكري، وكيف نستخدمه دون أن يتحول إلى قوة تتحكم فينا، وكيف نحافظ على حقنا في التفكير الحر وسط ضجيج لا يتوقف.

الحرية في العصر الرقمي لم تعد فقط حرية التعبير، بل أصبحت أيضا حرية الوعي… وحرية أن نفكر بأنفسنا.