حَجُّ البيت .. ويُسرُ الإسلام (١)

صبري الموجي

صبري الموجي

أُثرَ عن سفيانَ الثوري: أنّ التشدد والأخذَ بالعزيمة يُجيدُه كلُّ أهل العلم، ولكنَّ الفقه الحقيقي هو الرخصة من عالم!
فالله يُحبُّ أن تُؤتَى رخصُه، كما تُؤتى عزائمُه.
والأخذ بالرخص هو من سماحة ديننا، وحرصِه على التيسير، أحد أهم مقاصد الشريعة الغراء. بيد أنَّ القواعد الأصولية الخمس: (الأمور بمقاصدها، المشقّة تجلب التيسير، الضرر يزال، اليقين لا يزول بالشك، والعادة محكمة)، تدعو جميعُها للتيسير، وتُحارب التشدد والغلو، إذ هو والتفريط صنوان، فالتشدد يُلزِم المسلم بما لا يَلزم، والتفريطُ يدفع صاحبه إلى ترك ما هو مأمورٌ بإتيانه، فكلاهما إذن تضييعٌ للدين، وفكٌ لعرى الإسلام، إمَّا بالزيادة، أو الترك!
لهذا وجب على المسلم أن يتعامل مع أمور الشرع «بلا إفراط ولا تفريط» .
ومن صور يسر الإسلام، ما ورد في مرويّات الحج،  وهو الركن الدامغ بعالمية الإسلام، أكثر من بقية الأركان الأخرى من صلاة وصيام وزكاة، إذ جاء الخطابُ في هذه الأركان مُوجَّها للمؤمنين. يقول الله تعالي: {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون} .
كذلك في الصيام، نادى الله المؤمنين بفرضيّته، وبيّن أنَّ الغاية منه هي التقوى، فقال سبحانه: {ياأيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، بينما جاء الأمرُ في الحج مختلفا، فكان الخطاب للناس جميعا، يقول ربنا سبحانه وتعالى: { وأذن في الناس بالحج، يأتوك رجالا، وعلى كلّ ضامر يأتين من كلِّ فج عميق)، ويقول عزّ وجل: {ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا}. فنداء الناس جميعا دليلٌ على عالمية الإسلام.
وهنا أقول: إنّ ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم خلال حجة الوداع بقوله لمن سأله عن تقديم نُسك أو تأخيره: «افعل ولا حرج» دليلٌ على يُسر الإسلام، ورفضه للغلو، الذي لا يصل بصاحبه إلي غاية، أو كثيرِ أجر، فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنّ المُنبتّ .. أي المتشدد لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقي) !
ومظاهر التيسير في الحج كثيرة، أذكر بعضها على وعدٍ بذكر بقية المظاهر في مقال آخر؛ تجنبا لملل القارئ. 
أول تلك المظاهر أنّ الله جعل من شروط الحج الاستطاعة، سواء بدنية أو مادية، أما الاستخفافُ بتشريعات الدول وتنظيماتها، والتحايل على القوانين، والخروج للحج بطرق غير شرعية؛ بحجة أنّ النفس مشتاقة، فهو افتئات وتنطع منهيٌ عنه؛ لما ينتج عنه من مزاحمة لمن سلك السبلَ الشرعية، وبذل من أجلها الغالي والنفيس، كما أنه يُعرِّض الأنفس للهلاك، كما حدث خلال مناسك حج العام قبل الفائت، إذ إنّ كثيرا من الحجاج، راح ضحية جشع شركات السياحة، وخلّف هؤلاء المفقودون وراءهم آلاما وجراحات لا تندمل.
ومن مظاهر التيسير  - حماكم الله - أنّ النبي حجّ راكبا، وهذا يرد على القائلين بأنّ: «الأجر علي قدر المشقة»، فالمشقة بلا ضرورة تكلفٌ لا أجر عليه، وهذا ما أكده النبيُّ لعروة بن مضرس، لما أخبره أنه ما ترك جبلا إلا صعده، ولا واديا إلا نزله، فقال ﷺ: (من شهدَ صلاتنا هذه، ووقفَ معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد أتمّ حجه وقضى تفثه) .
فجاءت كلمات النّبي بردا وسلاما، وبرهانا على يسر الإسلام، الذي سنكملُه الحديث عنه في مقال قادم بإذن الله.