حوار العمالقة.. عندما وضع طه حسين "دستور الفصحى" في مواجهة يوسف السباعي

طه حسين

طه حسين

سيف السيد

في رحاب لقاءٍ تلفزيوني نادر يعود بنا إلى الزمن الجميل في حقبة الستينات، اجتمعت نخبة من عمالقة الأدب، وعلى رأسهم "عميد الأدب العربي" طه حسين، ليخوضوا نقاشاً فكرياً لا يزال صداه يتردد في أروقة الأدب حتى يومنا هذا. وفي لحظة فارقة من ذلك الحوار، توجّه العميد بكلماتٍ حاسمة إلى الكاتب الكبير يوسف السباعي حول قضية باتت جدلية؛ وهي "استخدام العامية في الرواية".

قواعد الفصحى في ميزان العميد

 لم يكن موقف طه حسين عدائياً، بل كان رؤية نقدية توازن بين الضرورة الفنية والأصالة اللغوية. فقد أكد في حديثه للسباعي أنه يرى الفصحى هي "الأصل" الذي لا ينبغي التنازل عنه حتى في حوارات الشخصيات. ومع ذلك، كان مرناً بما يكفي ليسمح بالعامية في "أضيق الحدود"، شريطة أن تفرضها "الضرورة التعبيرية" التي يستحيل معها فهم المشهد أو إيصال المعنى إلا بها.

وفي توضيحٍ دقيق لموقفه، أثنى العميد على أسلوب يوسف السباعي، معتبراً إياه مقبولاً؛ كونه لا يغرق في تراكيب العامية. لكنه في المقابل، وضع خطاً أحمر لا يقبل التجاوز، وهو الإفراط في المفردات العامية أو كتابة الرواية بالكامل بالعامية، وهو ما تتابعه اليوم منصة "القليوبية الآن" كقاعدة ذهبية في النقد الأدبي المعاصر.

طه حسين.. مسيرة نضال لم تنطفئ

لم يكن العميد مجرد أديب، بل كان قصة كفاحٍ بدأت من قرية "الكيلو" بالمنيا عام 1889، حيث قهر فقدان البصر في طفولته بذكاءٍ وقّاد مكنه من حفظ القرآن وتعلم العلوم في فترة وجيزة. كانت رحلته من أروقة الأزهر إلى الجامعة المصرية كأول منتسبٍ لها عام 1908، وصولاً إلى فرنسا حيث نال الدكتوراه عن "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون"، مسيرةً ملهمة صقلتها زوجته الوفية "سوزان بريسو" التي كانت عيونه التي يرى بها العالم.

إرثٌ خالد وتحديات لا تنتهي

 شغل طه حسين أرفع المناصب، من عمادة كلية الآداب إلى وزارة المعارف حيث قاد معركة "مجانية التعليم" وإلزاميته. وعلى الرغم من أن أطروحاته في كتب مثل "في الأدب الجاهلي" و"مستقبل الثقافة في مصر" قد أثارت عواصف من النقد وصلت إلى ساحات القضاء، إلا أنه ظل ثابتاً على مبادئه في الانفتاح الثقافي. يبقى العميد اليوم، من خلال سيرته الذاتية في رواية "الأيام" ومؤلفاته الضخمة، المنارة التي تستضيء بها الأجيال في كيفية التوفيق بين الاعتزاز بالموروث والتحرر الفكري.