اللواء د. رضا فرحات يكتب: التعليم العالي… استثمار الدولة في المستقبل

د. رضا فرحات

د. رضا فرحات

د. رضا فرحات

لم يعد التعليم العالي مجرد مرحلة دراسية تنتهي بالحصول على شهادة جامعية، ولا أصبح دور الجامعة مقتصرا على منح الدرجات العلمية وتخريج دفعات جديدة كل عام، بل بات التعليم في عالم اليوم أحد أهم مقومات القوة الشاملة للدولة، وأصبح الاستثمار فيه استثمارا مباشرا في المستقبل، وفي الاقتصاد، وفي قدرة الوطن على المنافسة والبقاء والتقدم.

 الدول تبنى بالعقول التي تدير، وتبتكر، وتفكر، وتطور، وتنتج المعرفة وتحولها إلى قوة فعل وتأثير ولذلك أصبح التعليم العالي في العصر الحديث قضية أمن قومي، وملفا استراتيجيا يرتبط بمكانة الدول وموقعها في خريطة العالم الجديد، لقد تغير العالم من حولنا بوتيرة متسارعة، ولم تعد الثروة الحقيقية في الموارد التقليدية وحدها، بل أصبحت في المعرفة، وفي البحث العلمي، وفي التكنولوجيا، وفي القدرة على إنتاج أفكار قابلة للتطبيق والتنفيذ والتسويق وأصبح اقتصاد المعرفة هو العنوان الأبرز للمرحلة، وأصبحت الجامعات هي بوابة الدخول إليه. 

من هنا تأتي أهمية تطوير منظومة التعليم العالي باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الجمهورية الجديدة، ليس فقط من خلال التوسع في إنشاء الجامعات، وإنما من خلال تطوير مضمون العملية التعليمية نفسها، وربطها باحتياجات المجتمع، ومتطلبات التنمية، والتحولات التي يشهدها سوق العمل محليا وإقليميا ودوليا. 

إن التحدي الحقيقي لم يعد في عدد الجامعات، وإنما في جودة التعليم الذي تقدمه، وفي قدرتها على تخريج كوادر مؤهلة تمتلك أدوات العصر، وقادرة على المنافسة، وعلى التفكير النقدي، والإبداع، والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة بل وتطويرها أيضا، المعرفة التي لا تتحول إلى إنتاج تفقد قيمتها، والبحث العلمي الذي يبقى حبيس الأدراج لا يصنع تنمية، والتعليم المنفصل عن الواقع لا يبني مستقبلا، والجامعة الحديثة لم تعد مؤسسة أكاديمية مغلقة، بل أصبحت شريكا رئيسيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومركزا لإنتاج الحلول، وحاضنة للابتكار، ومنصة لبناء الكفاءات الوطنية، وكلما نجحت الجامعات في الاقتراب من احتياجات المجتمع والصناعة والإنتاج، زاد تأثيرها الحقيقي، واتسع دورها الوطني. 

إن مصر بما تمتلكه من تاريخ أكاديمي ممتد، ومؤسسات تعليمية عريقة، وخبرات علمية كبيرة، لديها فرصة حقيقية لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتعليم العالي والبحث العلمي، ليس فقط على المستوى العربي، بل كذلك في محيطها الإفريقي والدولي، وهذه المكانة لا تكتسب بالشعارات، وإنما بالعمل المستمر، وبالتطوير، وبجودة المخرجات، وبقدرة الجامعة المصرية على أن تكون بيئة جاذبة للعلم والمعرفة والابتكار. 

الرهان على التعليم هو في جوهره رهان على الإنسان المصري نفسه والرهان على الإنسان هو الرهان الأكثر ضمانا وربحا واستدامة، لأن الأمم قد تتراجع اقتصاديا ثم تنهض، وقد تمر بأزمات ثم تتجاوزها، لكن الأمم التي تمتلك تعليما قويا وعقولا مؤهلة تظل دائما قادرة على استعادة مكانتها وصناعة مستقبلها.

 ولهذا سيظل تطوير التعليم العالي أحد أهم مسارات بناء الدولة المصرية الحديثة، باعتباره الطريق الأقصر نحو التنمية، والبوابة الأوسع نحو المستقبل، والاستثمار الحقيقي الذي لا يفقد قيمته بمرور الزمن، بل تتضاعف عوائده جيلا بعد جيل.