لكل مدينة حكايتها الخاصة، وحكاية بنها لا تُروى فقط من خلال تاريخها أو موقعها أو مؤسساتها، وإنما من خلال أهلها وناسها وبساطتهم وحركتهم اليومية، وارتباطهم الطبيعي بالمكان.. مدينة هادئة بطبعها، راقية في ملامحها، تجمع بين البساطة والجمال ودفء العلاقات الإنسانية.
وبالنسبة لأبناء القليوبية مثلي تظل بنها التي نشأنا في شوارعها، وحفظنا ملامحها، هي القلب النابض للمحافظة، ومقصدًا يوميًا لآلاف المواطنين من مختلف المراكز والقرى، فهي لا تتوقف عن النمو، ولا تكف عن استقبال المزيد من السكان والطلاب والموظفين والمترددين عليها من أبناء المحافظة والمحافظات الأخرى.
ولأننا نحب هذه المدينة ونعتز بها، فإن من حقها علينا أن نتوقف أمام ما يواجهها من مشكلات، لا من باب النقد أو الشكوى، وإنما من باب الحرص على أن تظل قادرة على خدمة أبنائها واستيعاب زوارها. وهنا، تبرز قضية المواصلات الداخلية بها كواحدة من أكثر القضايا حضورًا وإلحاحا في حياة سكانها، بل وجزءًا من معاناتهم اليومية في طريقهم إلى عملهم أو جامعتهم أو قضاء مصالحهم.
ومع الاعتراف بوجود صعوبات في التنقل بين بنها وبعض المدن الأخرى مثل القاهرة وغيرها؛ فإن التحدي الأكبر يظل داخل المدينة نفسها، حيث توسعت بنها عمرانيًا وسكانيًا، بينما بقيت منظومة نقلها الداخلي على حالها تقريبًا، حتى أصبح الزحام والتكدس والانتظار جزءًا من المشهد اليومي.
ولعل أبرز ما يلفت النظر داخل شوارعها وميادينها وأحيائها هو الاعتماد شبه الكامل على سيارات السوزوكي كوسيلة رئيسية للنقل الداخلي، ورغم أنها كانت تؤدي دورًا مهمًا في فترات سابقة -حين كانت حركة المدينة أبسط وأقل كثافة- فإن الواقع اليوم بات مختلفًا مع اتساع الرقعة العمرانية وتزايد الكثافة السكانية، حيث تظل في النهاية وسيلة نقل محدودة السعة، وغير منظمة، ما أدى إلى زيادة الازدحام وارتفاع معدلات التكدس، والارتباك في الشوارع خاصة في أوقات الذروة.
وعليه، يبدو من الضروري طرح السؤال بصراحة: هل مازالت المواصلات الداخلية في بنها قادرة على تلبية احتياجات المدينة وسكانها، أم أننا بحاجة إلى رؤية جديدة تواكب ما وصلت إليه المدينة من نمو وتطور؟.
وهنا، تبرز عدة مقترحات يمكن أن تشكل أساسًا لمعالجة هذا الملف بشكل أكثر تنظيمًا وفاعلية، في مقدمتها العمل على إنشاء منظومة نقل داخلي أكثر تنظيمًا تعتمد على أتوبيسات صغيرة أو ميني باص تعمل وفق خطوط ثابتة ومحددة تغطي مختلف أحياء المدينة، مع تحديد مسارات واضحة ومحطات انتظار معلنة، بما يحد من العشوائية في الوقوف والتحميل ويساعد على ضبط حركة النقل داخل المدينة، إلى جانب توحيد التعريفة وإحكام الرقابة على الالتزام بها.
ويمكن في هذا الإطار الاستفادة من تجارب مماثلة في عدد من المحافظات والمدن، مثل طنطا والمنصورة والإسكندرية، التي اتجهت إلى تنظيم خطوط الميني باص داخل المدن وربطها بالمحطات الرئيسية والمناطق الخدمية بشكل أكثر انضباطًا، إلى جانب ما يجري تنفيذه في القاهرة الكبرى من مشروع الأتوبيس الترددي (BRT) على عدد من المحاور الرئيسية، بوصفه نموذجًا حديثًا للنقل الجماعي المنظم يهدف إلى رفع كفاءة الحركة المرورية وتقليل الاعتماد على المركبات العشوائية.
ومع ضرورة عدم الإضرار بمصادر رزق العاملين على سيارات السوزوكي؛ يمكن التفكير في حلول انتقالية وتطويرية تضمن دمجهم داخل المنظومة الجديدة بدلًا من إقصائهم، من خلال إتاحة الفرصة لهم للتحول إلى تشغيل الميني باص ضمن خطوط منظمة بتراخيص رسمية، أو إدماج جزء منهم في شركات نقل جماعي محلية يتم تأسيسها أو تنظيمها لهذا الغرض، أو التفكير في تخصيص مسارات تشغيل محددة وموازية داخل المدينة لسياراتهم للعمل بشكل منظم وتحت رقابة واضحة، أو دمجها تدريجيًا داخل المنظومة الجديدة، بحيث تظل جزءًا من شبكة النقل دون أن تتسبب في عشوائية الحركة أو التكدس، إلى أن يكتمل التحول إلى نظام نقل أكثر كفاءة وتنظيمًا.
وفي النهاية، يظل الأمل معقودا في وضع حلول عملية وفق رؤية متكاملة تنظم حركة النقل داخل المدينة، بما يواكب ما تشهده من توسع ونمو، ويحقق في الوقت نفسه التوازن بين تحسين الخدمة العامة والحفاظ على استقرار العاملين فيها، لتظل بنها كما عرفناها مدينة حضرية هادئة قادرة على خدمة أبنائها وزائريها بالشكل الذي يليق بها.