شبرا الخيمة مدينة ذات طابع خاص.. رؤية تنموية لإحياء عاصمة النسيج المصرية

نجوي العشيري

نجوي العشيري

تُعد شبرا الخيمة واحدة من أهم المدن الصناعية في مصر، حيث ارتبط اسمها لعقود طويلة بصناعة الغزل والنسيج التي مثلت أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وأسهمت في توفير آلاف فرص العمل لأبناء المحافظة والمحافظات المجاورة. ورغم ما تمتلكه المدينة من تاريخ صناعي وموقع استراتيجي متميز على مشارف القاهرة الكبرى، فإنها ما زالت بحاجة إلى رؤية تنموية متكاملة تعيد لها مكانتها الاقتصادية وتمنحها وضعًا إداريًا وتنمويًا يتناسب مع إمكاناتها.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية إذا ما نظرنا إلى الثقل السكاني والاقتصادي للمدينة؛ فوفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تُعد شبرا الخيمة من أكبر المدن المصرية من حيث عدد السكان، إذ يقترب عدد سكانها من 1.2 مليون نسمة، ما يجعلها أكبر تجمع حضري في محافظة القليوبية وأحد أكبر المراكز الحضرية في إقليم القاهرة الكبرى. كما تتميز بقربها المباشر من القاهرة وشبكات الطرق والمحاور الرئيسية، وهو ما يمنحها مزايا تنافسية كبيرة في مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية والاستثمار.

ومن هنا تبرز أهمية طرح فكرة تحويل شبرا الخيمة إلى “مدينة ذات طابع خاص” على غرار تجربة الأقصر، بحيث تحصل على مزيد من الصلاحيات والمرونة الإدارية التي تمكنها من إدارة مواردها المحلية وتنفيذ خطط التنمية بصورة أكثر كفاءة وسرعة.

وتستند هذه الرؤية إلى مبادئ اللامركزية التي أكدها الدستور المصري، حيث نصت المواد الخاصة بالإدارة المحلية على دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وتمكين الوحدات المحلية من إدارة شؤونها وتوفير الخدمات وتحقيق التنمية وفق احتياجاتها الفعلية. كما منح قانون الإدارة المحلية وحدات الإدارة المحلية اختصاصات واسعة في إنشاء وإدارة المرافق العامة ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية داخل نطاقها. (قانون هاب)

إن منح شبرا الخيمة وضعًا خاصًا لا يعني فصلها إداريًا بقدر ما يعني تمكينها من استثمار مواردها الصناعية والبشرية بصورة أفضل، من خلال إنشاء هيئة أو جهاز تنموي متخصص يتولى التخطيط لإعادة إحياء صناعة الغزل والنسيج وتطوير المناطق الصناعية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

كما يمكن أن تتضمن هذه الرؤية إنشاء منطقة صناعية متخصصة للنسيج والملابس الجاهزة، وتطوير المصانع القائمة، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالصناعة، وتأسيس مراكز تدريب فني متخصصة لإعداد العمالة الماهرة القادرة على مواكبة متطلبات الصناعة الحديثة.

وتمثل صناعة النسيج أحد أهم المداخل لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة في المدينة، نظرًا لما توفره من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وما تمتلكه من قدرة على زيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلي. وتكتسب هذه الصناعة أهمية خاصة على المستوى الوطني، إذ تُعد من أكبر القطاعات الصناعية كثافة في العمالة، حيث توفر ما يقدر بنحو مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في مصر وفق بيانات وزارة قطاع الأعمال العام والمجلس التصديري للملابس الجاهزة. كما تضم مصر آلاف المنشآت العاملة في سلاسل إنتاج الغزل والنسيج والملابس، ويسهم القطاع بنسبة مؤثرة في الناتج الصناعي والصادرات غير البترولية.

وخلال السنوات الأخيرة شهد القطاع طفرة ملحوظة؛ فقد سجلت صادرات الملابس الجاهزة المصرية نحو 2.8 مليار دولار خلال عام 2023 وفق المجلس التصديري للملابس الجاهزة، وهو أعلى مستوى تاريخي للصادرات، بينما تجاوزت صادرات الصناعات النسيجية والغزل والمنسوجات مليارات الدولارات الأخرى بحسب بيانات المجالس التصديرية ووزارة التجارة والصناعة. كما تنفذ الدولة برنامجًا واسعًا لتطوير صناعة الغزل والنسيج باستثمارات تتجاوز 50 مليار جنيه، يشمل تحديث المصانع التاريخية ورفع الطاقة الإنتاجية وتحسين الجودة وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية. (مصدر: وزارة قطاع الأعمال العام)

وتعكس هذه المؤشرات حجم الفرصة المتاحة أمام شبرا الخيمة لاستعادة دورها التاريخي كمركز رئيسي للصناعات النسيجية، خاصة أنها تضم إرثًا صناعيًا وخبرات بشرية متراكمة يمكن البناء عليها في جذب استثمارات جديدة وتوطين صناعات القيمة المضافة.

كما أن استعادة شبرا الخيمة لدورها التاريخي كقلعة للصناعات النسيجية من شأنه أن يسهم في تخفيف معدلات البطالة وتحسين مستوى المعيشة وتعزيز الإيرادات المحلية، خاصة في ظل توجه الدولة لتطوير صناعة الغزل والنسيج من خلال استثمارات ضخمة لتحديث المصانع ورفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية.

كما أن التجارب الدولية تشير إلى أن منح المدن الصناعية الكبرى صلاحيات تنموية وإدارية أوسع يسهم في تسريع جذب الاستثمارات وتحسين كفاءة الخدمات العامة وتعزيز القدرة على التخطيط المحلي. ومن ثم فإن منح شبرا الخيمة إطارًا إداريًا وتنمويًا خاصًا يمكن أن يحولها إلى نموذج متقدم للتنمية الصناعية الحضرية داخل مصر، خاصة مع ما تمتلكه من قاعدة سكانية كبيرة وموقع استراتيجي وإرث صناعي عريق.

إن مستقبل شبرا الخيمة لا ينبغي أن يقتصر على كونها مدينة تابعة للقاهرة الكبرى، بل يجب أن تُعامل باعتبارها مركزًا اقتصاديًا وصناعيًا قادرًا على قيادة نهضة صناعية جديدة. ومن ثم فإن تحويلها إلى مدينة ذات طابع خاص يمثل خطوة استراتيجية نحو تحقيق تنمية محلية مستدامة، تعتمد على استغلال الميزة التنافسية للمدينة وإحياء صناعة النسيج باعتبارها أحد رموز القوة الاقتصادية المصرية. إن الوقت قد حان لاتخاذ قرار تنموي جريء يضع شبرا الخيمة في المكانة التي تستحقها، ويحولها إلى نموذج وطني للتنمية الصناعية والإدارة المحلية الفاعلة، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني ومستقبل الأجيال القادمة.