محمود محرم يكتب .. صديقي الإنسان… سلام ورحمة

محمود محرم

محمود محرم

في داخل كل واحد منا نسخة قديمة لا تغادر بسهولة، نسخة تعرف كيف بدأنا، وماذا كسبنا في الطريق، وماذا فقدنا دون أن ننتبه، تتذكر لحظات الحماس الأولى، والخيبات التي علمتنا الحذر، والطرق التي مشيناها ونحن نظن أننا سنصل أسرع مما وصلنا، تلك النسخة ليست سيئة، وليست عبئا بالضرورة، بل ربما هي التي حملتنا وسط الأيام الأصعب، وعبرت بنا ما كان يبدو مستحيلا في وقته.

لكن المشكلة تبدأ حين نطلب من الحياة شكلا جديدا… ونحن ما زلنا نتمسك بكل تفاصيل النسخة القديمة نريد واقعا مختلفا بنفس طريقة التفكير، وننتظر أبوابا جديدة ونحن نحمل المفاتيح نفسها التي فتحت أبواب الأمس، نطلب راحة أكبر ونحن ما زلنا نحتفظ بالقلق نفسه، ونطلب بداية جديدة بينما نخاف أن نترك خلفنا ما اعتدناه حتى لو أتعبنا.

والحقيقة أن نسختك الحالية هي التي أوصلتك إلى مكانك الآن… بحلوه ومره، بما تحقق فيه وما تأخر بما ربحت فيه وما خسرته وهذه ليست إدانة للنفس، بل فهم لها لأن الإنسان لا يصل إلى ما هو فيه مصادفة كاملة، بل عبر اختيارات، وعادات، وردود فعل، وأفكار ظل يحملها سنوات طويلة حتى أصبحت جزءا منه.

ولهذا، إذا كنت تريد أن تذهب أبعد… فربما لا تحتاج فقط إلى فرصة جديدة، بل إلى نسخة جديدة منك تستطيع أن تستقبل هذه الفرصة، بعض الأمنيات لا يكفيها الانتظار، وبعض الأبواب لا تفتح بالرغبة وحدها، بل بالاستعداد الحقيقي للدخول.

اجلس مع نفسك قليلا… دون ضوضاء دون تبرير كثير دون قسوة أيضا، واسألها بصدق: ما الذي لم يعد يصلح للبقاء؟ أي عادة أصبحت حملا زائدا؟ أي فكرة تجاوزها الوقت وما زلت تتمسك بها؟ أي خوف يقود قراراتك من الخلف دون أن تشعر؟ وأي جزء منك آن له أن يهدأ… أو يرحل… أو يتغير؟

ثم اسأل السؤال الأهم: ما الذي تحتاج أن تضيفه إلى نفسك؟ ربما تحتاج شجاعة أكثر أو هدوءا أكثر أو انضباطا أكبر ربما تحتاج أن تتعلم الصبر، أو تتقن التخلي، أو تصالح جزءا قديما بداخلك ما زال يعطّل خطواتك كلما حاولت أن تبدأ من جديد.

الحياة الجديدة لا تأتي دائما من تغيير المكان… أحيانا تأتي من تغيير الشخص الذي يقف داخله، وقد يبقى العالم كما هو، بينما يتغير كل شيء لأنك أنت تغيّرت، لأن نظرتك أصبحت أوسع، وقلبك صار أخف، وخطوتك أقل خوفا مما كانت.

ولهذا قبل أن تطلب من الحياة واقعا مختلفا… تفاوض مع نفسك أولا، اسألها ماذا يجب أن يبقى، وماذا يجب أن يرحل، وماذا تحتاج أن تتعلمه من جديد حتى تصبح جاهزا لما تتمناه.

لأن الواقع المختلف… لا يستقبل دائما النسخة القديمة نفسها.