يمر الميدان التعليمي بمحافظة القليوبية باختبارات يومية وعنيفة، لا تقيس مدى كفاءة اللوائح والروتين، بل تقيس ما هو أعمق وأبقى: "المعدن الإنساني" لمن يرتدون عباءة المسؤولية، فالإدارة في جوهرها الأصيل ليست مجرد مقعد أو سلطة بيروقراطية جافة، بل هي محراب قيمي وأمانة ثقيلة، إما أن ترفع صاحبها إلى مصاف النبلاء الخالدين بسيرتهم، أو تهوي به في درك السقوط الأخلاقي والمهني.
حينما نتأمل واقع "تعليم القليوبية" اليوم، نجد أنفسنا أمام مفارقة صارخة وهزة قوية تلخص صراع القيم بين نموذجين: نموذج يداوي القلوب ويُقيم العدل، ونموذج آخر يسقط في مستنقع الإساءة والابتذال.
فالنموذج الأول يمثله رجالٌ أعادوا للميدان توازنه، وضخوا السكينة في النفوس مجدداً، مبرهنين على أن الإدارة هي إنسانية وأخلاق قبل أن تكون مناصب.
ويبرز هنا الأستاذ الفاضل خالد عطا (مدير إدارة كفر شكر التعليمية السابق، والمدير الحالي لإدارة طوخ التعليمية)، الذي يمثل بحق "أسطورة في احتواء البشر" وشيخ عرب يفيض بدماسة الخلق. هذا الرجل يمتلك حكمة فطرية نادرة استطاع بها امتصاص الغضب البركاني وإزاحة الأعباء النفسية الثقيلة عن كاهل المعلمين، مؤكداً أن القائد في محراب القليوبية ليس جداراً إسمنتياً يتعامل بالأوراق، بل قلبٌ يستوعب الجميع.
ويكتمل هذا المزيج المضيء بوجود الدكتور أيمن زيدان (مدير عام إدارة كفر شكر التعليمية الحالي)، القائد الجريء الشجاع الذي رفض أن يقف موقف المتفرج في زمن يفضل فيه البعض سياسة "تسكين الأزمات". بجرأة الفرسان ونظرة حكيمة ثاقبة خلف غبار الشائعات والمؤامرات، تبدت له الحقيقة جلية واضحة، فتدخل بحسم ليضع حداً للأزمة وينصف المظلوم إعلاءً للصالح العام. هؤلاء هم "المنارات" التي تثبت أن الحق قد يغيب خلف أقنعة الزيف لبعض الوقت، لكنه يعود دافعاً وقوياً بوجود المخلصين.
على النقيض تماماً، وفي ذات المديرية، تطل في بعض الأحيان نماذج مشوهة تجردت من وقار الكرسي وشرف الأمانة، فتحولت إلى عبء ثقيل على أقدس المهن.
حينما يضج المجتمع السيناوي والمصري، ويهتز الوسط التربوي بالقليوبية بفضائح أخلاقية مدوية — كتلك التي تصدرت المشهد مؤخراً لمدير تعليم إعدادي يتجرد من شرف الأمانة ويساوم ولية أمر مستغلاً حاجتها الإدارية لابتزازها بطلب دنيء ورخيص بذهابها إلى شقته —فإننا هنا لا نتحدث عن مخالفة إدارية عابرة، بل عن "انحطاط أخلاقي وسقوط قيمي كامل".
هذا النمط السلوكي لا يسيء لشخص فاعله فحسب، بل يطعن وقار منظومة التعليم بالمحافظة في مقتل، ويتحول فيه المسؤول من "أمين على الأعراض والطلاب" إلى مبتزٍ رخيص يقتنص فرص ضعف البشر وحاجتهم، متناسياً أن عين العدالة الأرضية والسماوية بالمرصاد.
إن الفارق بين هذين النمطين في تعليم القليوبية هو الفارق بين النور والظلام؛ هناك من يستخدم سلطته ليمنح الناس والأهالي والمعلمين الأمان، والعدل، والاستقرار النفسي، ويجبر خواطرهم، وهناك من يتخذ من سلطته سوطاً يبتز به حقوق الناس وأعراضهم.
إن أعظم المنح التي تولد من رحم المحن هي "غربلة البشر"، حيث تتساقط الأقنعة المزيفة في مستنقع أعمالها وفضائحها، بينما تتجلى النماذج المضيئة كشواهد حية على أن الدنيا لا تزال بخير.
ختاماً، هنيئاً لتعليم القليوبية بقيادات واعية من طراز الأستاذ خالد عطا والدكتور أيمن زيدان، ممن يدركون أن "العدل وجبر الخواطر" هما أساس الإدارة الناجحة وعمادها الباقي. ودام الميدان لرجالٍ شرفاء يحملون مشاعل النور، ويلفظون خوارج المنظومة الذين لم يرعوا للأمانة حقها.