في قلب مجتمع مصري شرقي مسلم يعتز بعاداته وتقاليده الراسخة منذ قرون، ويستمد منظومة قيمه الأسرية أساساً من الشريعة الإسلامية، جاء مشروع قانون الأسرة الموحد (المعروف أيضاً بقانون الأحوال الشخصية الجديد) ليفتح باباً واسعاً من النقاشات الحادة والمتشعبة.
وافق مجلس الوزراء المصري في 29 أبريل 2026 على هذا المشروع الذي يضم نحو 355 مادة، بهدف جمع قوانين الأحوال الشخصية المتفرقة التي يعود بعضها إلى أكثر من مائة عام في إطار تشريعي واحد متماسك.
يطمح القانون إلى تبسيط الإجراءات، تقليل النزاعات الأسرية، حماية حقوق المرأة والطفل، وتحقيق استقرار أكبر للأسرة المصرية في ظل واقع اجتماعي واقتصادي متغير.
لكنه في الوقت نفسه أثار مخاوف عميقة لدى قطاع واسع من المجتمع، الذي يراه "جديداً علينا" ويحمل في طياته تعارضاً محتملاً مع النصوص الشرعية التقليدية، والأعراف الاجتماعية الشرقية، وقيم "الأسرة الممتدة" التي طالما كانت نواة المجتمع المصري بين من يراه إصلاحاً تاريخياً يواكب العصر، ومن يخشاه "قنبلة اجتماعية" تهدد تماسك الأسرة، يقف المجتمع اليوم أمام سؤال مصيري: كيف نوازن بين ضرورات الحداثة والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية؟
أبرز ملامح القانون الجديد
عدم الاعتداد بالطلاق الشفهي، وإلزامية التوثيق الرسمي.
الحضانة تقديم الأم أولاً، ثم الأب مباشرة في الترتيب، مع مراعاة مصلحة الطفل وقدرة المحكمة على تجاوز الترتيب.
حق للزوجة في فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر إذا ثبت تدليس أو غش من الزوج.
توحيد قضايا النفقات في قضية واحدة.
سن الزواج توحيد عند 18 عاماً مع إجراءات طبية ونفسية.
هل هو إصلاح ضروري يواكب العصر، أم "جديد علينا" يتعارض مع الدين والأعراف؟
وما مدى التعارض مع الدين والعادات والتقاليد؟
في مجتمع يؤمن بقوامة الرجل في بعض الجوانب، ويعتبر الطلاق الشفهي أمراً شائعاً، ويعتمد على الأسرة الممتدة في تربية الأطفال، يرى كثيرون أن بعض البنود تمثل تحولاً ثقافياً قد يبتعد عن الاجتهادات الفقهية التقليدية...
الحضانة رفع ترتيب الأب إلى الثاني بعد الأم يُرى من بعضهم تعزيزاً لصلة الطفل بأبيه، لكنه يتعارض مع بعض الاجتهادات الفقهية التي تطيل حضانة الأم.
كما أن إمكانية نقل الحضانة بناءً على "مصلحة المحضون" تُفتح الباب لاجتهاد قضائي قد يبتعد عن "الأم أولى" في السنوات الأولى.
توثيق الطلاق يحمي المرأة، لكنه يُقيد "الطلاق الشرعي" التقليدي، حق الفسخ السريع للزوجة بسبب التدليس يُثير تساؤلات حول استقرار العقد الزوجي.
التوازن بين الجنسين يُرى من المؤيدين تطبيقاً لمبدأ "العدل" الشرعي، لكنه من المعارضين "تغريب" يفرض مفاهيم غربية على مجتمع يؤمن بـ"قوامة الرجل" في بعض الجوانب.
القانون يؤكد استناده إلى مبادئ الشريعة، لكنه يعتمد على الاجتهاد المعاصر والمصلحة العامة، مما يجعله "جديداً" على عادات مثل الطلاق الشفهي أو دور الأسرة الممتدة في الحضانة.
نماذج مجتمعية مؤيدة
النساء المتضررات، سيدات مثل "فادية"، مطلقة منذ سنوات، ترى في القانون "درعاً" يحميها من التلاعب بالنفقة والحضانة، أخيراً سأحصل على حقوقي في قضية واحدة بدلاً من الجري بين المحاكم.
النشطاء الحقوقيون، يرون فيه خطوة نحو تمكين المرأة، تقليل العنف الأسري، وحماية الأطفال من الصراعات.
يقول محامون متخصصون، إنه يواكب الواقع الاقتصادي حيث تعمل المرأة وتشارك في الإنفاق.
بعض الفقهاء المعتدلين، يدعمون التوثيق والإجراءات الطبية كوسيلة لتقليل الطلاق والمشاكل الصحية، مستندين إلى "المصلحة" في الشريعة.
نماذج مجتمعية معارضة
الرجال التقليديون، "أحمد" (تاجر)، يخشى أن يصبح الرجل "خاسراً" في الحضانة والنفقة "القانون يعطي المرأة سلاحاً يدمر الأسرة".
العلماء المحافظون، يرون في بعض البنود تعارضاً مع الشريعة، خاصة في ترتيب الحضانة أو قيود على الطلاق يطالبون بمراجعة لضمان التوافق الكامل مع الكتاب والسنة.
أسر ريفية ومحافظة في الصعيد والدلتا، يخشى الناس أن يؤدي القانون إلى تفكك الأسرة الممتدة، و"غربة" الأطفال عن آبائهم، وانتشار "الخلع السهل" الذي يتعارض مع قيم الصبر والإصلاح الأسري.
هل هو "جديد علينا" أم ضرورة عصرية؟
قانون الأسرة الجديد يمثل محاولة لتوفيق بين التراث الإسلامي والواقع المعاصر في مجتمع شرقي يشهد تغيرات اجتماعية واقتصادية سريعة (ارتفاع معدلات الطلاق، مشاركة المرأة في سوق العمل، تأثير وسائل التواصل)، هو ليس "قنبلة اجتماعية" كما يخشى البعض، ولا "إصلاحاً مثالياً" كما يأمل آخرون.
النجاح يعتمد على التطبيق العادل، والتوعية المجتمعية، والمراجعة المستمرة لضمان عدم تعارضه مع جوهر الدين، في النهاية، الأسرة المصرية قوية بجذورها، وأي قانون يجب أن يعزز تماسكها لا يهدده، الجدل الحالي صحي، لأنه يعكس حيوية مجتمع يبحث عن توازن بين الأصالة والمعاصرة.
وفي النهاية، هل سيكون قانون الأسرة الجديد جسراً يربط بين أصالة المجتمع المصري المسلم ومتطلبات العصر الحديث، أم سيصبح فاصلاً يعمق الشرخ بين الجيل الجديد والقيم التقليدية التي حافظت على تماسك الأسرة لأجيال؟