التنمر الإلكتروني…الوجه المظلم لعصر التواصل

الدكتورة جيهان فؤاد شاهين

الدكتورة جيهان فؤاد شاهين

في الماضي كان التنمر يرتبط غالبًا بمواقف تحدث في المدرسة أو الشارع أو مكان العمل، وينتهي أثره بانتهاء الموقف أو مغادرة المكان. أما اليوم، فقد ظهر نوع جديد أكثر خطورة وانتشارًا، وهو التنمر الإلكتروني، الذي ينتقل إلى الضحية عبر الهاتف المحمول أو الحاسوب، ويلاحقها في كل وقت ومكان.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، تحمل الكثير من الفوائد والفرص للتعلم والتواصل وتبادل الخبرات. لكن هذه المنصات نفسها أصبحت في بعض الأحيان ساحة مفتوحة للإساءة والتجريح والسخرية والتشهير، حيث يختبئ البعض خلف الشاشات والأسماء المستعارة ليطلقوا كلمات قد تترك آثارًا نفسية عميقة لدى الآخرين.

وتتخذ ظاهرة التنمر الإلكتروني أشكالًا متعددة؛ فقد تكون في صورة تعليقات جارحة أو سخرية من الشكل أو المظهر أو العمر أو المستوى الاجتماعي، وقد تصل إلى نشر الشائعات أو الصور الخاصة أو التحريض على شخص بعينه بهدف تشويه سمعته أو عزله اجتماعيًا. والأسوأ من ذلك أن هذه الإساءة قد تنتشر في دقائق معدودة لتصل إلى أعداد كبيرة من الناس، مما يزيد من حجم الضرر الواقع على الضحية.

وما يجعل التنمر الإلكتروني أكثر قسوة من التنمر التقليدي هو استمراريته. فالمتنمر لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة، والضحية لا تستطيع دائمًا الهروب من الأذى بمجرد مغادرة المكان. فالرسائل والتعليقات والمنشورات قد تظل موجودة لفترات طويلة، ويظل أثرها النفسي حاضرًا حتى بعد حذفها.

وقد أثبتت العديد من الدراسات أن التعرض المستمر للتنمر الإلكتروني قد يؤدي إلى مشكلات نفسية خطيرة، مثل فقدان الثقة بالنفس والقلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين لا يزالون في مرحلة بناء شخصياتهم. كما أن الكبار أيضًا ليسوا بمنأى عن هذه الظاهرة، فالكلمة الجارحة قد تؤلم في أي عمر، والتشهير قد يضر بالحياة المهنية والاجتماعية لأي إنسان.

والمؤسف أن بعض الناس يتعاملون مع الأمر باعتباره مزاحًا أو حرية تعبير، متناسين أن الحرية تقف عند حدود إيذاء الآخرين. فليس من حق أحد أن يحول منصات التواصل إلى محاكم شعبية أو ساحات للسخرية والإهانة والتجريح، لأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقًا.

إن مواجهة التنمر الإلكتروني لا تبدأ فقط بالقوانين الرادعة، رغم أهميتها، بل تبدأ أيضًا بنشر الوعي وترسيخ قيم الاحترام والتسامح والمسؤولية الأخلاقية. كما يجب أن تتعاون الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في تعليم الأجيال الجديدة كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل إيجابي، وكيفية احترام خصوصية الآخرين ومشاعرهم.

كذلك من المهم تشجيع ضحايا التنمر على عدم الصمت، والإبلاغ عن المحتوى المسيء، وطلب الدعم من الأسرة أو الأصدقاء أو الجهات المختصة، فالصمت أحيانًا يمنح المتنمر مساحة أكبر للاستمرار، بينما المواجهة القانونية والمجتمعية الواعية تحد من انتشار هذه السلوكيات.

وفي النهاية، قد يظن البعض أن الكلمات المكتوبة على شاشة هاتف تختفي بمجرد إغلاق التطبيق، لكن الحقيقة أنها قد تترك أثرًا يبقى طويلًا في النفس. لذلك فإن المجتمع الواعي ليس هو الذي يمتلك أحدث وسائل التكنولوجيا فحسب، بل هو الذي يعرف كيف يستخدمها في نشر الاحترام والمحبة والتفاهم، لا في صناعة الألم وإيذاء الآخرين. فالكلمة الطيبة تبني إنسانًا، والكلمة الجارحة قد تهدمه، وبين الكلمتين تتجلى حقيقتنا وإنسانيتنا