كلمة لها حدوتة… في اللغة حكايات لا تنتهي "كلمة طظ "

نجوي العشيري

نجوي العشيري

"كلمة طظ "... نستخدمها كثيرًا في حياتنا اليومية عندما نريد التعبير عن عدم الاكتراث أو التقليل من أهمية أمر ما، فنقول ببساطة: “طظ!”، لكن هل تخيل أحدنا يومًا أن هذه الكلمة التي تبدو عابرة تحمل وراءها حكاية تاريخية تمتد لقرون؟

تُرجع أشهر الروايات أصل الكلمة إلى العصر العثماني، حيث كانت كلمة “طظ” تعني “الملح”. وفي ذلك الوقت كان الملح من السلع المعفاة من الرسوم الجمركية، وعندما كانت القوافل تمر على نقاط التفتيش ويسأل الموظفون عن نوع البضاعة، كان التجار يجيبون: “طظ”، أي أنها مجرد شحنة ملح لا تُحصّل عليها ضرائب.

وبمجرد سماع الكلمة، كان يُسمح للقافلة بالمرور دون تدقيق أو اهتمام كبير، لأن البضاعة لا تمثل مصدرًا للعائدات الجمركية، ومع مرور الزمن ارتبطت الكلمة في أذهان الناس بشيء لا يستحق التوقف عنده أو الانشغال به، فتحول معناها تدريجيًا من اسم لسلعة معروفة إلى تعبير عن اللامبالاة وعدم الاهتمام.

وقد يكون من اللافت أن كلمة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أحرف استطاعت أن تقطع كل هذه الرحلة الطويلة؛ من أسواق التجارة القديمة إلى أحاديث الناس اليومية، ومن دفاتر الجمارك إلى مفردات الحياة المعاصرة، وهذا يذكرنا بأن الكلمات ليست مجرد أصوات ننطقها، بل أوعية تحمل تاريخًا وثقافة وتجارب إنسانية تراكمت عبر الزمن.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الرواية الشائعة التي تربط كلمة “طظ” بالملح والجمارك العثمانية تظل من الروايات المتداولة شعبيًا، بينما يرى بعض الباحثين اللغويين أن أصول الكلمات ومسارات تطورها قد تكون أكثر تعقيدًا مما ترويه الحكايات الشعبية، غير أن قيمة هذه الروايات لا تكمن فقط في دقتها التاريخية، بل أيضًا في كونها جزءًا من الذاكرة الجمعية والتراث الشفهي الذي تتناقله الأجيال.

وهكذا تبقى “طظ” مثالًا على كيف يمكن لكلمة صغيرة أن تحمل حكاية كبيرة، وأن تفتح لنا نافذة على تاريخ اللغة وتحولات المجتمع، لتؤكد أن وراء كل كلمة قصة  تروى.