في إحدى ليالي الأسبوع الماضي، جلست في مقهى مزدحم أراقب المشهد من حولي، لم يكن هناك حدث استثنائي، لا مباراة نهائية ولا أزمة سياسية كبرى، ومع ذلك بدا الجميع منشغلين بشيء واحد، عشرات الوجوه المنحنية فوق شاشات الهواتف، وأصابع تتحرك بسرعة، وتعليقات تتدفق، وضحكات متفرقة، وانفعالات حادة.
سألت أحد الجالسين: "إيه الحكاية؟" رفع رأسه للحظة وقال: “مشوفتش الترند؟”
لم أسأله عن اسم الترند، أدركت أن السؤال نفسه أصبح جزءا من حياتنا اليومية، لم نعد نسأل: ماذا حدث؟ بل نسأل: ماذا يتصدر الشاشات الآن؟
في طريق عودتي إلى المنزل، فتحت هاتفي لأجد القصة نفسها، آلاف المنشورات وملايين المشاهدات وعاصفة من الآراء، أشخاص يهاجمون، وآخرون يدافعون، وغيرهم يسخرون، بينما الحقيقة نفسها كانت ضائعة وسط هذا الضجيج الهائل.
بعد يومين فقط اختفى كل شيء والترند الذي كان يملأ الدنيا أصبح مجرد ذكرى باهتة، وكأن أحدا ضغط زر الحذف الجماعي، وهنا بدأت أفكر في طبيعة هذا العصر الغريب.
في الماضي كانت الأخبار تشبه الصخور؛ ثقيلة وبطيئة وتحتاج وقتا حتى تتحرك، أما اليوم فهي أشبه بالأمواج؛ ترتفع فجأة، تضرب الشاطئ بقوة، ثم تتراجع تاركة خلفها زبدا كثيرا وأثرا قليلا.
تقارير متخصصة في الإعلام الرقمي تشير إلى أن ملايين المنشورات الجديدة تنشر يوميا على منصات التواصل، بينما يتنافس صناع المحتوى والمؤسسات على مورد واحد أصبح الأكثر قيمة في العالم الحديث: انتباه الإنسان.
لم تعد المعركة الكبرى على الأرض فقط، بل داخل العقول وكل إشعار يظهر على الشاشة هو محاولة جديدة لاختطاف لحظة من تركيزك، كل ترند هو دعوة جماعية للنظر في اتجاه معين، وكل دقيقة تقضيها في متابعة قضية ما تعني دقيقة أقل لقضية أخرى ربما تكون أكثر أهمية، والمفارقة أن الترندات لا تعكس دائما أولويات المجتمعات بقدر ما تعكس قدرتها على إثارة المشاعر، الغضب ينتشر بسرعة، والسخرية تنتشر أسرع، أما الحقائق الهادئة فتسير على أقدام متعبة.
لهذا قد نجد قضية مصيرية تمر بهدوء نسبي، بينما يشتعل الفضاء الإلكتروني بسبب فيديو قصير أو تصريح مجتزأ أو شائعة مجهولة المصدر، وأصبح الأمر لا يتعلق بسوء نية الناس، بل بطبيعة الإنسان نفسه، نحن مخلوقات تنجذب إلى الدهشة، نلتفت إلى الصوت المرتفع قبل أن نبحث عن الصوت الصادق، وربما لهذا السبب أصبحت الخوارزميات تفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا أحيانا، إنها تعرف ما يثير فضولنا، وما يغضبنا، وما يدفعنا إلى الضغط على زر المشاركة، ومع الوقت، لا تكتفي بعرض ما نحبه، بل تبدأ في تشكيل ما نهتم به أصلا وهنا يتحول الترند من مجرد موضوع شائع إلى قوة خفية تعيد ترتيب أولوياتنا دون أن نشعر.
في طريقي للعودة وأنا أستعيد مشهد المقهى من جديد، لم أعد أفكر في ذلك الترند الذي اختفى، بل في شيء آخر أكثر عمقا، ماذا لو أن ما يحدد مستقبل المجتمعات لا يعيش على الشاشات سوى دقائق معدودة، بينما تلتهم القضايا العابرة معظم انتباهنا؟
ربما يكون فخ الترند الحقيقي أنه لا يجعلنا نرى ما هو مهم، بل يجعلنا ننسى النظر إليه أصلا.