"تعرف إيه أكتر حاجة فرحتني في ماتش مصر؟".. هكذا بدأ أحد أصدقائي حديثه معي بعد دقائق من نهاية مباراة مصر وأستراليا.. توقعت أن يتحدث عن ركلات الترجيح، أو عن تألق اللاعبين، أو عن التأهل التاريخي إلى دور الـ16، لكنه فاجأني بإجابة مختلفة.
قال: "مش التأهل.. اللي فرحني بجد هو فرحة العرب بينا."
بعد أن أنهينا المكالمة، وبدأت أتابع الفيديوهات التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي.. مشاهد من غزة، ولبنان، والأردن، وليبيا، والسعودية، ودول الخليج، لم تكن مجرد تجمعات لمصريين يحتفلون، بل وجوه عربية من جنسيات مختلفة تشارك الفرحة بنفس الحماس، وكأن منتخب بلادها هو من انتزع بطاقة التأهل.
عندها أدركت أن ما قاله صديقي لم يكن مجرد انطباع عابر، بل قراءة لمشهد يستحق التوقف أمامه.
في زمن أصبح فيه كثيرون يظنون أن مواقع التواصل الاجتماعي هي المرآة الحقيقية للشعوب، جاءت مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم لتثبت العكس.
120 دقيقة من كرة القدم وبضع دقائق من ركلات الترجيح، كانت كافية لنسف آلاف المنشورات والتغريدات التي تحاول، كل يوم، إقناعنا بأن العرب أصبحوا شعوبا متنافرة، وأن الخلافات صارت أقوى من الروابط، وأن المحبة القديمة لم يعد لها مكان.
ما إن أطلق الحكم صافرة النهاية، حتى بدأت الصورة الحقيقية في الظهور.. من غزة، خرجت الهتافات رغم الجراح، ومن شوارع لبنان المثقلة بآثار الحرب انتشرت مشاهد الاحتفال، وفي الأردن وليبيا، كما في السعودية ودول الخليج، لم يكن الفرح حكرا على المصريين المقيمين هناك، بل شاركهم فيه أبناء تلك البلدان وكأن منتخبهم الوطني هو من حقق الإنجاز.
لم تكن تلك المشاهد مرتبة، ولا صنعت خصيصا للكاميرات، بل كانت عفوية وصادقة، وهذا تحديدا ما منحها قيمتها، فاللحظات الصادقة لا يمكن اصطناعها، ولا تحتاج إلى بيانات رسمية أو حملات إعلامية، لأنها تخرج مباشرة من القلب.
كم مرة أقنعتنا منصات التواصل بأن الشعوب العربية أصبحت متخاصمة؟ وكم مرة تصدر مشهدا محدودا أو تعليقا مستفزا باعتباره رأيا عاما؟، لكن الحقيقة أن خوارزميات هذه المنصات لا تبحث عن المحبة، بل عن الصدام، لأن الجدل يحقق انتشارا أكبر، أما الود فلا يصنع "تريند".
ولهذا بدت فرحة التأهل أكبر من مجرد انتصار كروى، فقد أعادت التذكير بأن العلاقات بين الشعوب لا تقاس بما يكتبه مجهول خلف شاشة هاتف، ولا بما تروجه حسابات تبحث عن الإثارة، وإنما بما يفعله الناس عندما تأتي لحظة تستحق الفرح.
لقد أثبتت هذه المباراة أن المصري عندما يفرح، يجد ملايين العرب يشاركونه الفرحة، وأن أي نجاح عربي لا يزال يُنظر إليه باعتباره نجاحا للجميع، مهما اختلفت السياسات أو تبدلت الظروف.
ولهذا، فإن أجمل ما خرجنا به من مباراة مصر وأستراليا لم يكن فقط التأهل التاريخي إلى دور الـ16، بل ذلك المشهد العربي النادر الذي ذكرنا بأن ما يجمع هذه الأمة لا يزال أكبر بكثير مما يفرقها، وأن القلوب، رغم كل شيء، ما زالت تعرف الطريق إلى بعضها البعض، وهذا في حد ذاته، ربما كان أجمل أهداف المباراة.. ويبقى علينا جميعا أن نحرس هذا الهدف، وألا نسمح لشاشة هاتف صغيرة أو حساب مجهول، أن يسرق منا مجددا ما أعادته لنا كرة القدم في ليلة واحدة.