السوشيال ميديا.. حين تتحول الحرية إلى فوضى

اللواء د. رضا فرحات

اللواء د. رضا فرحات

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل الأفكار، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وصناعة الرأي، والتأثير في السلوك الفردي والجماعي، حتى باتت جزءا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، غير أن هذه القوة الهائلة، إذا تركت دون ضوابط أو وعي أو مسؤولية، يمكن أن تتحول إلى أداة خطيرة تهدد منظومة القيم، وتربك الاقتصاد، وتفكك الأسرة، وتفتح أبواب الفتن والشائعات على مصراعيها.

وفي الوقت الذي لا يمكن إنكار ما وفرته وسائل التواصل من فرص للتعلم والتقارب ونقل المعرفة، فإن الوجه الآخر لهذه المنصات يكشف عن تحديات غير مسبوقة، فرضتها السرعة الهائلة في تداول المحتوى، وغياب الرقابة الذاتية لدى كثير من المستخدمين، وسهولة انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة دون التحقق من صحتها.

ولعل أخطر ما أفرزته مواقع التواصل الاجتماعي هو التأثير العميق في المنظومة الأخلاقية، خاصة لدى الأجيال الجديدة و أصبح السباق نحو الشهرة وجذب المشاهدات يدفع البعض إلى تجاوز كل القيم والأعراف، حتى بات المحتوى الصادم أو المثير أو المسيء وسيلة لتحقيق الانتشار، بينما تراجعت مكانة المحتوى الهادف والثقافي، ومع تكرار التعرض لهذه النماذج، تتغير المفاهيم تدريجيًا، ويصبح السلوك الخاطئ أمرا مألوفا، وهو ما ينعكس سلبا على المجتمع بأكمله.

ولا تقف الأضرار عند الجانب الأخلاقي، بل تمتد إلى الأسرة المصرية التي أصبحت تواجه تحديا حقيقيا في ظل انشغال كل فرد بعالمه الافتراضي و تراجعت مساحات الحوار داخل البيت، وضعفت العلاقات الإنسانية المباشرة، وأصبحت الهواتف المحمولة ضيفا دائما على موائد الطعام وغرف المعيشة، حتى بات التواصل الإلكتروني يحل محل التواصل الإنساني.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن التأثير لا يقل خطورة و إهدار ملايين ساعات العمل في تصفح المحتوى غير المفيد ينعكس مباشرة على الإنتاجية، ويؤثر في أداء المؤسسات والشركات كما أصبحت الشائعات الاقتصادية التي تنتشر عبر مواقع التواصل قادرة على إرباك الأسواق وإثارة حالة من القلق بين المواطنين، سواء تعلق الأمر بأسعار السلع أو العملات أو المشروعات أو القرارات الحكومية وفي كثير من الأحيان، تؤدي معلومة غير صحيحة نشرها شخص مجهول إلى خسائر اقتصادية حقيقية، قبل أن تظهر الحقيقة.

وتزداد الخطورة عندما تتحول هذه المنصات إلى ساحة لبث الشائعات وإثارة الفتن، إذ تعتمد بعض الجهات والجماعات على استغلال سرعة انتشار المعلومات لإطلاق أخبار مفبركة أو مقاطع فيديو مجتزأة أو صور خارج سياقها، بهدف إثارة البلبلة، أو فقدان الثقة في مؤسسات الدولة، أو إشعال الخلافات بين فئات المجتمع، وقد أثبتت التجارب أن الشائعة في العصر الرقمي تنتشر بسرعة تفوق قدرة الحقيقة على اللحاق بها، خاصة إذا وجدت بيئة تفتقر إلى الوعي النقدي.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات القانونية وحدها، رغم أهميتها في ردع مروجي الأخبار الكاذبة ومروجي خطاب الكراهية، وإنما تبدأ من بناء الإنسان الواعي القادر على التحقق من المعلومات قبل تداولها، وإدراك أن إعادة نشر خبر كاذب قد تكون مشاركة غير مباشرة في الإضرار بالمجتمع.

كما أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة في غرس قيم الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، وتعليم الأبناء أن العالم الافتراضي ليس بديلا عن الواقع، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين أو الإعجابات، بل بما يقدمه الإنسان من علم وعمل وإنجاز ويأتي دور المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلام الوطني في ترسيخ ثقافة التفكير النقدي، وتعزيز الانتماء، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، بما يحصن الشباب من الوقوع فريسة للمحتوى الهدام.

إن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست عدوا، لكنها سلاح ذو حدين، تتحدد قيمته وفقا لكيفية استخدامه وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد نجحت في اختصار المسافات بين البشر، فإن الحفاظ على تماسك المجتمع، وحماية الأسرة، وصون الأخلاق، والحفاظ على استقرار الاقتصاد، يتطلب استخداما مسؤولا يقوم على الوعي قبل النشر، والتحقق قبل المشاركة، واحترام القيم قبل السعي وراء الانتشار.

المعركة الحقيقية اليوم لم تعد معركة امتلاك التكنولوجيا، وإنما معركة امتلاك الوعي القادر على توظيفها لخدمة الإنسان، لا تحويلها إلى أداة تهدد استقرار المجتمعات ومستقبل الأجيال.