ثورة 23 يوليو.. المشروع الوطني الذي يتجدد

اللواء د. رضا فرحات

اللواء د. رضا فرحات

لا تزال ثورة 23 يوليو 1952، بعد أكثر من أربعة وسبعين عاما، حاضرة في الوعي الوطني المصري، ليس لأنها غيرت نظام الحكم فقط، وإنما لأنها طرحت سؤالا ظل يتكرر في كل مرحلة من تاريخ الدولة: كيف تبني مصر دولة قوية وعادلة وقادرة على حماية استقلال قرارها؟

هذا السؤال نفسه عاد إلى الواجهة مع إطلاق مشروع الجمهورية الجديدة، وإن اختلفت الظروف والأدوات، فبينما كانت معركة يوليو هي التحرر من الاحتلال وبناء الدولة الوطنية، أصبحت معركة الجمهورية الجديدة هي تعزيز قدرة الدولة على البقاء والتنافس في عالم شديد التعقيد، تتداخل فيه تحديات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والتغيرات الجيوسياسية.

ولذلك فإن العلاقة بين ثورة يوليو والجمهورية الجديدة ليست علاقة تشابه في السياسات، وإنما علاقة امتداد في الفلسفة الوطنية فكلتاهما انطلقتا من فكرة مركزية مفادها أن الدولة القوية هي الضامن الأول لاستقرار المجتمع، وأن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون مؤسسات وطنية قادرة على حماية مقدرات البلاد.

لقد قدمت ثورة يوليو مشروعا للإصلاح الاجتماعي، وأعادت توزيع الفرص، ووسعت قاعدة التعليم، ورسخت مفهوم الاستقلال الوطني، وأعادت بناء القوات المسلحة باعتبارها درع الوطن وسنده، ورغم اختلاف التقييمات حول بعض السياسات الاقتصادية والإدارية التي اتبعتها الدولة آنذاك، فإن أحدا لا يستطيع إنكار أن الثورة أعادت تشكيل الشخصية السياسية لمصر ورسخت مفهوم الدولة الوطنية المستقلة.

واليوم، تعمل الجمهورية الجديدة في سياق عالمي مختلف تماما فلم يعد معيار قوة الدول يقاس فقط بحجم جيوشها، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد مرن، وبنية تحتية حديثة، ومدن ذكية، وتحول رقمي، واستثمار في رأس المال البشري لذلك جاءت الأولوية للمشروعات القومية، وتطوير الريف المصري، وتحديث شبكات النقل والطاقة، وتعزيز التصنيع، باعتبارها أدوات جديدة لتحقيق الهدف القديم نفسه، وهو بناء دولة قوية تمتلك أسباب الاستقرار.

جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في ذكرى ثورة يوليو لتكتسب أهمية خاصة، لأنها قدمت قراءة متوازنة للتاريخ، حين دعت إلى الاستفادة من نجاحات الثورة وتجنب أخطائها، وهذه ليست دعوة لمراجعة الماضي بقدر ما هي دعوة لترسيخ ثقافة التعلم من التجارب الوطنية، فالأمم التي تتقدم هي التي تحول تاريخها إلى خبرة متراكمة، لا إلى مادة للخلاف والانقسام.

كما أن الربط الذي قدمه الرئيس بين ثورة يوليو والجمهورية الجديدة يحمل رسالة واضحة مفادها أن المشروع الوطني المصري لم يتوقف عند محطة تاريخية بعينها، بل ظل يتطور وفق طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة وأن لكل مرحلة أدواتها، لكن الثوابت تبقى واحدة: الحفاظ على الدولة، وصون استقلال القرار الوطني، وتحقيق التنمية، وتعزيز العدالة الاجتماعية.

وفي ظل ما يشهده الإقليم من اضطرابات غير مسبوقة، تبدو هذه الرؤية أكثر أهمية من أي وقت مضى، الدولة التي تنجح في تحقيق التنمية، وتطوير مؤسساتها، والحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل مشروع الجمهورية الجديدة امتدادا عمليا لفكرة بناء الدولة التي انطلقت مع ثورة يوليو.

إن القيمة الحقيقية لثورة 23 يوليو لا تكمن في أنها حدث تاريخي نحتفل بذكراه كل عام، وإنما في أنها أرست فكرة الدولة الوطنية القادرة على التغيير وصناعة المستقبل والجمهورية الجديدة، بما تتضمنه من إصلاحات ومشروعات ورؤية استراتيجية، تسعى إلى ترجمة هذه الفكرة بلغة القرن الحادي والعشرين.

ومن ثم، فإن الاحتفاء بثورة يوليو ليس استدعاء للماضي، بل تأكيد على أن المشروع الوطني المصري لا يزال مستمرا، يتجدد بتجدد التحديات، ويستند إلى قناعة راسخة بأن قوة الدولة المصرية كانت وستظل أساس أمنها واستقرارها وقدرتها على تحقيق تطلعات شعبها.