د. رضا فرحات يكتب: تحرير سيناء.. من ملحمة القتال إلى معجزة البناء

د. رضا فرحات

د. رضا فرحات

يمثل تحرير سيناء واحدة من أعظم الصفحات المضيئة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، ليس فقط باعتباره انتصارًا عسكريًا أعاد الأرض وصان الكرامة الوطنية، بل لأنه نموذج متكامل لنجاح الدولة في إدارة الصراع عبر مراحل متتابعة جمعت بين القوة والذكاء والإرادة السياسية، بدأت ببطولات خالدة سطرها رجال القوات المسلحة في ميادين القتال، حيث قدموا أروع التضحيات دفاعًا عن تراب الوطن، مؤكدين أن الإرادة المصرية قادرة على كسر أي قيود مهما بلغت التحديات.

لقد جاءت حرب أكتوبر لتثبت أن مصر لا تقبل الهزيمة كواقع دائم، وأنها قادرة على إعادة صياغة موازين القوى بإرادة شعبها وجيشها، وكان العبور العظيم لحظة فارقة أعادت الثقة للأمة، ورسخت لمعادلة جديدة عنوانها أن الأرض تُسترد بالقوة، وأن السيادة لا تقبل المساومة، ولم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت تعبيرًا عن تلاحم وطني شامل شاركت فيه كافة مؤسسات الدولة، وهو ما منحها هذا الزخم التاريخي والاستراتيجي.

غير أن عبقرية الدولة المصرية لم تتوقف عند حدود الانتصار العسكري، بل امتدت إلى إدارة ملف استعادة الأرض عبر مسار تفاوضي شديد التعقيد، أظهر براعة سياسية ودبلوماسية لافتة نجحت مصر في توظيف ما تحقق على الأرض من إنجاز عسكري لترجمته إلى مكاسب سياسية وقانونية، عبر مفاوضات دقيقة استندت إلى الشرعية الدولية، وانتهت باستعادة كامل التراب السيناوي، هذا المسار التفاوضي لم يكن أقل أهمية من المعركة العسكرية، بل كان امتدادًا لها، حيث تطلب نفس القدر من الصلابة والحنكة والقدرة على قراءة موازين القوى الدولية.

ومع استعادة الأرض، دخلت الدولة المصرية مرحلة جديدة من التحديات، تمثلت في مواجهة الإرهاب الذي حاول أن يتخذ من سيناء ساحة لتهديد الأمن القومي و خاضت القوات المسلحة والشرطة معركة شرسة ضد التنظيمات الإرهابية، قدم خلالها الأبطال تضحيات جسامًا للحفاظ على أمن واستقرار الوطن وقد نجحت الدولة، عبر استراتيجية شاملة، في القضاء على البؤر الإرهابية وتطهير سيناء من هذا الخطر، لتؤكد مرة أخرى أن الأمن هو الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية حقيقية.

إن معركة مكافحة الإرهاب في سيناء لم تكن مجرد مواجهة أمنية، بل كانت معركة وجود، هدفت إلى الحفاظ على الدولة الوطنية ومنع انهيارها في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وقد أثبتت التجربة المصرية أن تحقيق الأمن والاستقرار هو المدخل الضروري للانطلاق نحو البناء والتنمية، وأن أي محاولة للفصل بينهما تمثل قراءة قاصرة لطبيعة التحديات التي تواجه الدول.

ومع استعادة الأمن، انطلقت الدولة المصرية في معركة لا تقل أهمية، وهي معركة التنمية الشاملة وتحولت سيناء من أرض كانت تعاني من التهميش لعقود، إلى ساحة لمشروعات قومية عملاقة تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مستوى المعيشة، وتعزيز الاندماج الكامل لهذه البقعة الغالية في جسد الدولة، وشملت هذه المشروعات تطوير البنية التحتية، وإنشاء شبكات طرق حديثة، ومدن جديدة، ومناطق صناعية وزراعية، بما يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى استغلال الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها سيناء.

إن فلسفة التنمية في سيناء تقوم على تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بما يضمن استدامة هذه الجهود على المدى الطويل، فالتنمية ليست مجرد إنشاء مشروعات، بل هي عملية متكاملة تستهدف بناء الإنسان قبل المكان، وتوفير فرص عمل حقيقية، وتحسين جودة الحياة للمواطنين، بما يعزز شعورهم بالانتماء والمشاركة في مسيرة الوطن.

كما تعكس هذه الجهود إدراكًا عميقًا من القيادة السياسية لأهمية سيناء كعمق استراتيجي لمصر، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضًا من حيث موقعها الجغرافي الفريد الذي يؤهلها لتكون مركزًا لوجستيًا وتنمويًا واعدًا، ومن ثم، فإن الاستثمار في سيناء يمثل استثمارًا في مستقبل الدولة المصرية ككل، ويعزز من قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

إن ملحمة تحرير سيناء، بما تتضمنه من مراحل متتابعة بدأت بالقتال، مرورًا بالتفاوض، ثم مواجهة الإرهاب، وصولًا إلى البناء والتنمية، تقدم نموذجًا فريدًا في إدارة الأزمات وتحقيق الأهداف الوطنية فهي تؤكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضًا بمرونتها السياسية، وكفاءة مؤسساتها، وقدرتها على تحقيق التكامل بين مختلف أدوات القوة.

وفي ذكرى تحرير سيناء، فإن استحضار هذه التجربة لا يجب أن يقتصر على الاحتفاء بالماضي، بل ينبغي أن يكون دافعًا لاستلهام الدروس والعبر في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، فالدولة التي نجحت في استعادة أرضها، والقضاء على الإرهاب، والانطلاق نحو التنمية، قادرة بلا شك على مواصلة مسيرتها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وترسيخ مكانتها كدولة قوية ومستقرة في محيط إقليمي شديد التعقيد.

إن سيناء اليوم لم تعد مجرد أرض محررة، بل أصبحت رمزًا حيًا لقدرة الدولة المصرية على تحويل التحديات إلى فرص، وصياغة مستقبل قائم على الأمن والتنمية والكرامة الوطنية.