الكاتبة الصحفية راندا بدر تكتب ... " القليوبية الآن " ... حلم يتحقق

الكاتبة الصحفية راندا بدر

الكاتبة الصحفية راندا بدر

لكل ميلاد حكاية ، ولكل مشروع قصة، ولكل فكرة جذور تمتد في تربة الواقع قبل أن تطرح ثمارها في فضاء الحقيقة ، وحكاية "القليوبية الآن" المنصةالإعلامية الجديدة ، هي حكاية حلم ظل يراود أبناء محافظة عريقة ، حتى وجد من يحوله إلى حقيقة ، لست هنا بصدد الحديث عن مشروع إعلامي بالمعنى الضيق للكلمة ، فالمشروعات الإعلامية تكاثرت في مصر حتى صار عدها عسيرًا ، وصار التميز بينها أعسر ، ما نحن بصدده هو ظاهرة تستحق التأمل، مشروع "القليوبية الآن" الذي اختار طريقًا مختلفًا منذ اللحظة الأولى.

حين تقرأ وثيقة هذا المشروع ، وتتأمل رؤيته ورسالته وفلسفته ، فإن أول ما يستوقفك هو ذلك الإصرار على الخروج من العموميات إلى الخصوصيات ، ومن الشعارات الفضفاضة إلى البرامج المحددة ، ومن التنظير المجرد إلى التطبيق الملموس ، وهذا في حد ذاته يستحق التحية ، فنحن في زمن كثر فيه الكلام وقل فيه الفعل ، واتسعت فيه التنظيرات وضاقت فيه التطبيقات .

يري القائمون على هذا المشروع ما لا يراه كثيرون ، رأوا محافظة عريقة اسمها القليوبية ، تملك من المقومات ما لا تملكه دول ، وتضم من البشر ما يفوق سكان عواصم ، وتختزن من التاريخ ما يصلح مادة لكتب وموسوعات ، ومع ذلك ظلت بلا صوت إعلامي يليق بها ، رأوا هذا الفراغ الهائل ، وهذا القصور المزمن ، فقرروا أن يفعلوا شيئًا ، و هنا تكمن العظمة، في القرار فكم منا رأى الفراغ فشكا منه ومضى ، وكم منا رأى النقص فتذمر منه ونسي ، أما هؤلاء فرأوا المشكلة فتحولوا إلى جزء من الحل.

ما يلفت النظر في مشروع " القليوبية الآن " هو ذلك الجمع الموفق بين جناحين : الإعلام المهني من جهة ، والدليل الرقمي الشامل من جهة أخرى  ، هذا الجمع ليس اعتباطيًا ، هو نتاج فهم عميق لطبيعة الدور الذي ينبغي أن ينهض به الإعلام المحلي في عصر المعلومات ،

فالإعلام في مفهومه التقليدي ينقل الخبر ، وهذا أمر ضروري لا غنى عنه. لكن الإعلام في مفهومه الحديث ، وفي رسالته الحقيقية ، يتجاوز النقل إلى التأثير ، ويتجاوز التغطية إلى الخدمة ، ويتجاوز الرصد إلى التنمية ،

وهذا هو بالضبط ما تسعى إليه " القليوبية الآن " أن تكون إعلامًا يخدم ولا يكتفي بالنقل ، إعلامًا يبني ولا يكتفي بالرصد ، إعلامًا يربط بين الناس ومؤسساتهم ولا يكتفي بمخاطبتهم ،

ثمة قضية جوهرية يطرحها هذا المشروع ، وتستحق منا وقفة متأنية ، ألا وهي قضية الأرشيف والذاكرة

في عالمنا المعاصر ، للأسف الشديد ، ليست لدينا ثقافة الأرشيف ، نحن نعيش اللحظة ، و نستهلك الخبر ، ثم نطويه وننساه ، الأمم المتقدمة تعرف قيمة الأرشيف ، وتعرف أن الذاكرة هي أساس الهوية ، وأن من لا ذاكرة له لا مستقبل له ، و حين تقرأ في وثيقة "القليوبية الآن" عن هدف "بناء أكبر أرشيف رقمي للأخبار والمعلومات الخاصة بالمحافظة" ، فإنك تدرك أنك أمام مشروع يتجاوز اللحظة الراهنة إلى المستقبل ، ويتجاوز الخبر العابر إلى التاريخ الدائم ،

هذا هدف استراتيجي بالغ الأهمية ، فبعد عشر سنوات ، أو عشرين سنة، حين يرغب باحث في دراسة تطور القليوبية ، أو حين يريد مخطط أن يفهم مسار التحولات في هذه المحافظة ، أين سيجد المادة ؟

 سيجدها في هذا الأرشيف الذي يبنى الآن ، في هذه الذاكرة التي تصنع اليوم ، إنها رؤية بعيدة المدى ، تستحق الإشادة والتقدير ، ولنتأمل معًا فلسفة العمل التي تقوم عليها هذه المؤسسة " واضحًا في عرضه ، دقيقًا في معلوماته ، قريبًا من المواطن ، واسعًا في تغطيته ، منظمًا في تصنيفه ، مؤثرًا في رسالته ، خدميًا في وظيفته ، احترافيًا في تقديمه" ،  هذه ثماني صفات ، لو تحققت في أي مؤسسة إعلامية ، لصارت في مصاف المؤسسات الكبرى ، وهي صفات لا تتحقق بالأماني ، إنما بالعمل الدؤوب والمراجعة المستمرة والتطوير الدائم ، لكن المهم أن تكون هذه الصفات نصب العين ، وأن تكون هي المعيار الذي تقاس به النجاحات والإخفاقات ،

إنني حين أتأمل هذه الفلسفة ، أجدني أمام مشروع يدرك أن الإعلام ليس غاية في ذاته ، هو وسيلة لخدمة الناس ، وهذه النقطة بالتحديد هي ما يفرق بين إعلام ينجح وإعلام يفشل ، بين إعلام يبقى وإعلام يزول ، فالإعلام الذي ينفصل عن الناس ، ويحلق في أبراج عاجية ، ويخاطب النخب وينسى الجماهير ، مصيره إلى زوال ، أما الإعلام الذي يجعل من الناس محوره ، ومن خدمتهم هدفه ، ومن التعبير عنهم رسالته ، فهو الذي يكتب له البقاء ،

وثمة أمر لافت آخر في هذا المشروع ، هو تحديده الواضح لجمهوره ، "المواطن العادي ، والمسؤول التنفيذي ، والمستثمر ، والطبيب والمعلم ، والنائب والسياسي ، والطالب وولي الأمر ، ورجال الأعمال ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والشخصيات العامة" ، هذا التنوع في الجمهور المستهدف ليس تشتتًا ، كما قد يظن البعض، لكنه ، في تقديري ، اعتراف بحقيقة أن المجتمع المحلي نسيج معقد ومتشابك ، وأن التنمية هي ثمرة تعاون وتكامل بين كل هذه الأطراف ، وحين تخاطب منصة إعلامية كل هؤلاء ، فهي تخلق فضاء مشتركًا للحوار والتفاعل ، وهذا هو جوهر الإعلام التنموي ،

لكنني ، وقد قلت ما قلت من إشادة وتقدير ، لا أملك إلا أن أطرح سؤالاً لا مفر منه هو هل تصمد " القليوبية الآن" أمام التحديات ؟

فالتحديات التي تواجه مشروعًا بهذا الحجم والطموح ليست هينة ، هناك تحدي الموارد المالية ، فالإعلام المحلي الجاد ليس مشروعًا مربحًا بالضرورة ، ويحتاج إلى مصادر تمويل مستدامة لا تمس استقلاليته ، وهناك تحدي الكوادر البشرية ، فالصحافة المحلية تحتاج إلى صحفيين مؤهلين يفهمون خصوصية المكان والناس ، ولا يكتفون بنقل القوالب الجاهزة ، وهناك تحدي الاستقلالية ، فالخط رفيع بين أن تكون قريبًا من المسئول وبين أن تكون تابعًا له ، و بين أن تنتقد الموضوعية وبين أن تنحاز على حساب الحقيقة ، هذه تحديات حقيقية ، ولا ينبغي التهوين من شأنها ، لكنني ، في الوقت نفسه ، أرى أن البداية الواعية ، والرؤية الواضحة ، والفلسفة المتماسكة ، كلها مؤشرات تبعث على التفاؤل ، فمن يبدأ بداية صحيحة ، ويحدد طريقه بوضوح ، ويعرف ماذا يريد ، يكون أقدر على مواجهة التحديات ، وأقدر على تحويل العقبات إلى خبرات ، والصعوبات إلى دروس ،

أما عن اسم " القليوبية الآن" ، فهو اختيار موفق بكل المقاييس ،"الآن" هي فلسفة ، هي إعلان حضور ، هي رفض للغياب والتغيب ، إنها تقول القليوبية كانت ، وستكون ، لكنها الآن حاضرة ، بصوتها ، بخبرها ، بخدمتها ، بدليلها ، وهذا الحضور هو حضور دائم متجدد ، يتجسد في كل خبر ينشر ، وفي كل خدمة تقدم ، وفي كل معلومة توثق ، إنه اسم يربط بين اللحظة والمستقبل ، بين الخبر والخدمة ، بين المحافظة والعالم ، وهو بهذا يعكس الفهم العميق لطبيعة الدور الذي ينبغي أن ينهض به هذا المشروع ، دور الشاهد على الحاضر ، و الأمين على الماضي ، والباني للمستقبل ، و في الختام :- أقول بصدق ، إن "القليوبية الآن" تمثل بارقة أمل في سماء الإعلام المحلي المصري والعربي ، إنها تقول لنا إن التغيير ممكن ، وإن الحلم ممكن ، وإن الإعلام الجاد المحترم الخادم للناس ممكن ، إذا وجدت الإرادة ، وتوافرت الرؤية ، و خلصت النية ،

إنني أشد على أيدي القائمين على هذا المشروع ، وأدعوهم إلى الصبر والمثابرة ، فبناء المؤسسات ليس نزهة ، بل هو طريق طويل وشاق ، لكنه في النهاية هو الطريق الوحيد الذي يصنع الفرق ، ويترك الأثر ، ويبني المستقبل ..

، و كما تقول الوثيقة :-

"خبر ... خدمة ... دليل ... وهوية محافظة كاملة في منصة واحدة" ، هذا هو الشعار ، وهذه هي الرسالة ، وهذا هو التحدي ، والرهان الآن على التطبيق ، وعلى الزمن الذي سيحكم بين المشروعات التي تصمد والمشروعات التي تذبل ، بين المؤسسات التي تبني والمؤسسات التي تدعي ، بين الإعلام الذي يخدم والإعلام الذي يتسلق ..

أما آن للقليوبية أن يكون لها هذا الصوت؟ نعم ، آن الأوان .. و"القليوبية الآن" هي الجواب. فلننتظر، ولنرَ. وقبل كل شيء ، فلندعم ، ونشارك، و نأمل .. فبالمشاركة والأمل يبنى المستقبل ، وبالإعلام الحر المسئول تنهض المجتمعات ، و تتقدم الأوطان .