كتب : محمد حسن حمادة
صورة نادرة للعالم الأزهري الجليل فضيلة الشيخ: محمد جاد كشك" الشهير ب"بخوري كشك" رحمه الله، صاحب عمودٍ بالأزهر الشريف فقد كان من كبار شيوخ الأزهر الذين لهم حق التدريس بعمود من أعمدة الجامع الأزهر، وهي أعلى مراتب العلماء وقتها، كما كان مفتشا للوعظ بمركز قليوب في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي، على الرأي الراجح. وقفت أمامها مليا، فما هي بصورة فحسب، بل وثيقة تاريخية تشهد على عصر كان للعالِم فيه مكتب وهيبة، حيث كان للواعظ مكتب في مركز قليوب يُضاهي مكتب المأمور في ذاك الزمان، عندما كانت الكلمة سلطة، والعمامة قانونا.
استهل مشواره الدعوي إماما وخطيبا في صعيد مصر بأسيوط، فلبث فيها ردحا من الزمن يصدع بالحق من على منابرها.
ومن مواقفه التي لا تنسى وتشهد له بالتقوى والصلاح وأنه لا تأخذه في الحق لومة لأئم: عندما كان فى صعيد مصر التقى مع مدير الأمن فوجده يتختم بخاتم من ذهب فى أحد أصابع يده فما تردّد أن قال له بلسان الناصح المشفق: "يا هذا، أترضى أن تطوق به قطعة من نار يوم القيامة؟. فما كان من الرجل إلا أن نزعه من فوره، حياءً من الله ثم من الشيخ وقد علاه الخجل والوجل.
كان بيته في شارع الأصفر بقرية طنان، قليوب قليوبية، قبالة الجامع الكبير، تحفه مودة فضيلة الشيخ: عبد الرحمن الأصفر رحمه الله أحد وجهاء البلدة وأعيانها، كما كان ينزل ضيفا مكرما في بيت الحاج رفاعي كشك الكبير رحمه الله، حيث خُصّصت له حجرة خاصة به إكراما لمقامه.
سكن فضيلة الشيخ "بخوري كشك" قليوب بحكم عمله واعظا، إلا أن قلبه ظل معلقا بطنان، فما كان ليدع جمعة تمر دون أن يعود، فإذا ارتقى منبر الجامع الكبير،، صار يوم الجمعة عيدا، وسرى الخبر في الأزقة مسرى الريح،
إذا خطب اهتزت القلوب قبل الأبدان، يخاطب الفلاح عن الزكاة بلغة الزرع، ويحدث التاجر عن الأمانة بلسان السوق، فتبلغ كلمته كل عقل، لأن العالِم الحق هو من ينزل إلى الناس، لا من ينتظر أن يرتقوا إليه.
تناقلت الألسن كراماته وبركاته، حتى قيل أنه كان: "بركة تمشي على قدمين". رجال إذا قالوا فعلوا، وإذا وعدوا وفوا، وإذا علموا علَّموا لوجه الله، ما كانت لحاهم زينة، ولا عمائمهم وجاهة، بل كانت شارة حمل ثقيل اسمه "ميراث النبوة".
لم تكن مهمته قاصرة على الدعوة والمنبر، بل كان مكتبه في المركز بابا للصلح قبل أن يكون بابا للشكوى، فإذا نشب نزاع بين اثنين من أهالي قليوب أو وقعت مظلمة لأحدهما، كانوا يفزعون إلى فضيلة الشيخ. فيبادر بالاتصال بالمركز ويُخرجهما من فوره، ثم يعقد لهما مجلسا عرفيا فيرد الحقوق إلى أهلها ويُصلح ذات البين.
أنجب ذرية صالحة كلها على حرف الميم، فكانت الميم في بيته ميم المودة والمرحمة والميثاق وبيته كان عامرا بالعلم والقرآن، كما كان منبره عامرا بالحكمة.
كان من أتراب وأصدقاء فضيلة الشيخ: "بخوري كشك" في قرية طنان ثلة مباركة من الرعيل الأول الذين تخرجوا في الأزهر الشريف ونهلوا من معينه، فكانوا مشكاوات ربانية أضاءت سماء طنان وقليوب: فضيلة الشيخ: "عبد المطلب يوسف صلاح" خطيب الجامعين الأزهر الشريف ومسجد الإمام الحسين رضي الله عنه وأرضاه، وفضيلة الشيخ: أحمد الكردي" موجه عام العلوم الشرعية بالأزهر الشريف، وفضيلة الشيخ: عبد المطلب محمد الجنايني" مدير إدارة قليوب التعليمية، وفضيلة الشيخ: "سيد أمين الكمار" مفتش عام العلوم الشرعية بالأزهر الشريف، والأستاذ والشاعر: محمد عبد الفتاح حمادة" موجه عام التعليم الخاص بديوان عام وزارة التربية والتعليم، رحمهم الله جميعا، فقد كانوا صحبة الشيخ: "بخوري كشك" وإخوان دربه.
وافاه الأجل المحتوم في السادس والعشرين من شهر مارس عام 1966. عن عمر يناهز ثلاثة وستين عاما تقريبا فطويت صفحة من صفحات الدعوة، ورحل إلى جوار ربه راضيا مرضيا، رحل الشيخ: "بخوري كشك" ورحلت معه ملامح كثيرة من زمن كان فيه للعالِم مكانه، وللكلمة ثمنها، وللمنبر قدسيته، زمن كان فيه العلماء يقتاتون على الكتب ويطعمون الناس الظين والحكمة.
ومن محاسن القدر أن هذه الصورة بقيت كوصية للأحفاد تروي لهم: كان لكم جد اسمه "بخوري كشك". احتفظوا بالصورة، وعلقوها في صدر بيوتكم، وحدثوا أولادكم: هذا وجه من وجوه البركة التي خرجت من طنان وسكنت شارع الأصفر، وتصدر للعلم في صحن الأزهر الشريف وارتقى المنابر قأنارها وملك شغاف قلوب أهالي مركز قليوب".
رحم الله فضيلة الشيخ: "بخوري كشك" رحمة واسعة، اللهم اغفر له، وتقبله في الصالحين، اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، اللهم كما أكرمته بعمود في أزهركَ الشريف يتصدر فيه للعلم، فأكرمه بمنبر من نور يوم العرض عليك، اللهم اجعل علمه الذي بثه من عموده، وخطبه التي أضاء بها المنابر، شاهدة له لا عليه، ونورا يسعى بين يديه وعن يمينه واجزه عن الأزهر الشريف وطلابه، وعن أهل طنان وقليوب، خير ما جزيت عالما عاملا عن أمة محمد ﷺ. وكما رفعت ذكره في الدنيا بالعلم والهيبة، فارفع درجته في الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.