الشيخ القليوبي الذي كان خطيبا للمنبرين الجامع الأزهر الشريف ومسجد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

أزاهرة القليوبية

أزاهرة القليوبية

كتب : محمد حسن حمادة

الشيخ القليوبي الذي كان خطيبا للمنبرين  الجامع الأزهر الشريف ومسجد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

خطبة ألقاها أمام الرئيس جمال عبد الناصر والملك السنوسي فغيرت مجرى حياته.

الشيخ الذي كان يتصارع عليه الملوك والحكام.

الشيخ الذي حكم عليه القذافي بالإعدام.

كان على وشك أن يحلف اليمين كوزير للأوقاف لولا اغتيال السادات.
الشيخ الذي شهد عقد قرانه أشهر ملوك دولة التلاوة بالإذاعة المصرية على رأسهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ الحصري رحمهما الله.

كتب : محمد حسن حمادة 

ياقارئ سطوري قبل القراءة توضأ وضوء الفخر والإعزاز بمحافظة القليوبية التي أنجبت علماء أفذاذا شرفوها ورفعوا رأسها عاليا في كل محفل، فصدق أو لا تصدق أن أحد بنيها كان خطيبا للجامع الأزهر الشريف في ثمانينيات القرن المنصرم، ومن المعروف أن من يعتلي منبر الجامع الأزهر الشريف في العصور المتأخرة والمتقدمة لابد أن يكون من أكابر القضاة والعلماء ومن أكابر عصره ومن أهل الذكر والعلم والإيمان والورع والتقوى والصلاح والفصاحة والبلاغة والخشية والمهابة فمنبر الجامع الأزهر هو صوت مصر ومتحدثها الرسمي الذي يعبر عن نهجها ومنهاجها تتجه إليه أنظار العالم الإسلامي فهو أقدم وأجل وأرفع منابر الشرق فلا ينهض بالخطبة على منبر الأزهر الشريف إلا العلماء الكبار المفوهون، فالجامع الأزهر هو أهم مساجد الشرق والعالم الإسلامي على الإطلاق، وأحد المعاقل التاريخية الرئيسية لنشر الإسلام ووسطيته، ليس ذلك فقط بل حاز شيخنا على شرف آخر فقد اعتلى سابقا في آواخر خمسينيات القرن الماضي منبر مسجد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ليوصف بخطيب المنبرين فمن هو هذا الشيخ القليوبي الذي حاز كل هذا الشرف؟

إنه فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح خطيب الرؤساء والملوك، يخطب أمامهم فيثير إعجابهم وحماستهم فيطلبون من حاكم البلاد الاستفادة من علمه وموهبته!

فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح خطيب الجامع الأزهر ومسجد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولد بقرية طنان قليوب قليوبية، كان في البداية مقيم شعائر بمسجد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه في خمسينيات القرن الماضي شاء القدر أن يصاب إمام مسجد الحسين بوعكة صحية ومن المعروف آنذاك أن مقيم الشعائر يحل محل الإمام إذا غاب ويكلف مكانه بالصلاة والخطبة لم تكن هذه هي المعضلة ففضيلة الشيخ عبدالمطلب يوسف رجل متمرس وقد مر بمواقف مشابهة قبل ذلك لكن القدر يرتب له شيئا آخر يفوق تصوره فقد تصادف أن الملك السنوسي ملك ليبيا في زيارة لمصر واليوم يوم جمعة وبحسب قواعد "البروتوكول" المتبعة وقتها لابد أن يصلي أي ملك أو رئيس دولة إسلامية الجمعة بجامع الأزهر الشريف لكن الملك السنوسي طلب من الرئيس جمال عبد الناصر الصلاة بالمسجد الحسيني فلبى الرئيس عبدالناصر طلب الملك السنوسي، صعد فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح منبر المسجد الحسيني بهدوء وتمهل، ليخطب الجمعة أمام الرئيس جمال عبدالناصر وضيفه وضيف مصر الملك السنوسي ملك ليبيا وبكل قوة وثقة وتمكن أفاء الله عليه بخطبة رائعة أعجب بها الملك السنوسي وبعد الخطبة همس الملك في أذن الرئيس جمال عبد الناصر وقال له (ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي). كم أتمنى أن يكون لدينا خطباء بهذه الكيفية وبهذا المستوى، فقال له الرئيس جمال عبد الناصر: هو لكم يا جلالة الملك". فجهزوا له أوراقه وسافر الشيخ إلى ليبيا، فعمل محفظا في قصر الملك يحفظ الأمراء أبناء الملك القرآن الكريم.

كان الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح في هذه الفترة يحمل الشهادة الابتدائية التي تعادل الشهادة الإعدادية فبعدها يلتحق بالثانوية كان الشيخ شديد الطموح فانتسب للمرحلة الثانوية وبعدها التحق بجامعة الأزهر الشريف ثم حصل على الماجستير وكان من حين لآخر يقطع زيارته لليبيا ليؤدي امتحاناته ثم يعود وكان التوفيق حليفه في دراسته، وظل في ليبيا يتبوأ منزلة عالية في نفس الملك السنوسي والأمراء ورجال الحكم، كما كانت زوجة الشيخ على نفس الشاكلة تعظ النساء وتلقي عليهن الدروس الدينية بقصر الملك واستمرا على هذا المنوال حتى قيام ثورة القذافي.

وبعد زوال حكم الملك السنوسي 1969. فيما   عرف بثورة الفاتح وتقويض الحكم الملكي وإعلان النظام الجمهوري وتشكيل حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي التي استولت على السلطة وتولي معمر القذافي سدة الحكم في ليبيا، طلب من فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح رحمه الله الموافقة على ثلاث فتاوى مخالفة للشرع وللدين الحنيف، منها أن يوافق على هدم جميع المساجد التي بنيت في عهد الملك إدريس السنوسي لكنه رفض فما كان من القذافي إلا أن أصدر أوامره بإعدام الشيخ عبدالمطلب يوسف صلاح ولكن الله سبحانه وتعالى كتب له النجاة في اللحظات الأخيرة حيث نجح في الوصول لمطار بنغازي قبل أن يصل مرسوم حكم الإعدام وعاد بالفعل إلى القاهرة، لم يهدأ القذافي إلا بعدما قبض على نجله الأكبر الدكتور أسامة وسجنه لثلاثة شهور بأحد معسكرات التعذيب ببنغازي إلى أن قامت المخابرات المصرية بتهريبه إلى جزيرة مالطا بحرا ومنها سافر للقاهرة.

طوف الشيخ بمعظم بلدان العالم الإسلامي، كما سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لزيارة المراكز الإسلامية، بعدها انتدب لإلقاء المحاضرات بجامعة صنعاء باليمن ومنها إلى الكويت وظل بها حتى الغزو العراقي، كما سافر إلى المغرب وبعد عودته منها عين خطيبا للجامع الأزهر الشريف، كان من يذهب إليه من أهالي طنان أو محافظة القليوبية لأداء صلاة الجمعة معه يلتقونه في القاعة المخصصة للإمام بالجامع الأزهر فيشاهدون سفراء وقناصل العالم الإسلامي ينتظرون فضيلة الشيخ ويهمون بتقبيل يده.

وفي عقد قرانه حضر قارئو الإذاعة المصرية ومعظم مشاهير دولة التلاوة على رأسهم فضيلة الشيخ الحصري وفضيلة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي قرأ قرآن الجمعة بالجامع الكبير بطنان، الذي كاد يهتز من فرط الجمال والإبداع من هذه الحناجر الماسية التي قلما تجتمع في مكان واحد". كما زاروا طنان ثانية ليؤدوا واجب العزاء في وفاة حماه شيخ البلد آنذاك الشيخ: أحمد الشيخ الكمار رحمه الله".

كان فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح عالما، ذكيا، لبقا، طلي الحديث يأسر كل من يسمعه، وكما كان يملك ناصية البيان والكلام كان يملك أيضا ناصية القلم يكتب في مجلة الأزهر بصفة دورية، وله في كل عدد مقال (حاولت الوصول لأي عدد من هذه الأعداد ولكن للأسف لم يحالفني التوفيق).

وفي عام 1981 أصدر الرئيس السادات قرارا بتعيين الشيخ عبدالمطلب يوسف صلاح وزيرا للأوقاف المصريه ضمن التشكيل الوزاري الجديد ولكن لم يمهل القدر الشيخ ليتولى المنصب بشكل رسمي حيث اغتيل الرئيس السادات قبل أن يحلف الشيخ اليمين بأسبوع واحد.

أما عن زيارته للإمارات فلها قصة طريفة تروى في هذا الشأن فقد كان فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح يتنازع عليه الملوك والرؤساء حيث يروى أن الشيخ زايد حاكم دولة الإمارات طلب من ملك المغرب رحمهما الله الاستفادة من علم فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح وأن يزور الإمارات فتسمك به ملك المغرب وعندما خيره الملك بين الإقامة في المغرب أو الإقامة في الإمارات؟ فرد الشيخ بذكاء وحنكة وقال: ياجلالة الملك مكثنا ردحا من الوقت في المغرب واستفدتم منا، نزن بالقسطاس المستقيم ونذهب للإمارات حتى يستفيدوا منا كما أنني أود زيارة الإمارات بعد إذنكم ومباركتكم". وقد كان. وبينما يتأهب الشيخ للخروج من بيته لأداء خطبة الجمعة بدولة الإمارات الشقيقة فاضت روحه إلى بارئها.

صُلى عليه في الجامع الأزهر ومسجد الحسين ودفن في مقبرة الكردي بالدراسة ليرحل خطيب المنبرين في صمت وهدوء، لينعاه العالم الإسلامي ويشارك في عزائه بمسجد عمر مكرم مندوبون عن بعض الملوك والرؤوساء والأمراء والسفراء والقناصل فضلا عن أهله ومحبيه.

ومنذ سنوات نفذ بنوه وصيته وتبرعوا بقطعة أرض كان يملكها الشيخ لبناء مسجد وبالفعل بني مسجد حمزة ابن عبد المطلب شراكة مع منزل للمرحوم الحاج يحي النقيب رحمه الله ليكون شاهدا له وصدقة جارية على روحه الطاهرة تغمد الله فضيلة الشيخ عبد المطلب يوسف صلاح بواسع فضله، فاللهم ارحمه واغفرله وآنس وحشته ووسع قبره، وأكرم نزله، اللهمّ اجعل قبره روضةً من رياض الجنّة، بقدر علمه وعطائه للإسلام والقرآن.