الباطل يحتاج لصراخ وضجيج كي يُسمع، أما الحق فواثق الخطى، يمشي على الأرض ثابتا، لا يهتز، الباطل خفيف كالريشة، إن سكت طار، كالطبلة الفارغة لا بد أن تقرع بقوة كي يلتفت الناس.
الباطل تاجر، والتاجر لا بد أن ينادي على بضاعته، يرفع صوته ليغطي على غشه، ويصرخ كي لا يمنحكَ فرصة للتفكير، يصنع الضجيج لأنه يخشى سؤالك البسيط: "أين دليلكَ؟ صاحب الحق يبتغي رضا الله، أما صاحب الباطل فيلهث خلف "الإعجاب" ويطارد المشاهدات، ويريد أن يمتطي صهوة "الترند" لذلك يعلو صوته ليخنق صوت ضميره، فما بالكم إن كان عديم الضمير أصلا {خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}.
الحقيقة مرة وهادئة، لا تتزين، أما الباطل فتجد طاولته عامرة بالتوابل ويغلفه الشيطان بالبهارات، الخبر الصحيح يوجز في سطرين، بينما الإشاعة الكاذبة تُنسج في مسلسل من ثلاثين حلقة، والناس تحب الحكايات، حتى لو كانت تقطر دما، فالكذب سهل التصديق، لأن الحقيقة تحتاج إلى دليل وتفكير، أما الكذبة فتحتاج فقط إلى "فيسبوك" و"شير". عقول كثيرة توقفت عن السؤال: "من قال؟ وصارت تسأل: "كم شخصًا شاهد؟
فإذا رأيت الباطل يصنع جلبة، فاهدأ، الذهب حين يسقط على الأرض لا يُحدث صوتا، أما (الفالصو) فهو الذي يرن، فلا تكن بوقا للفارغين، ولا حامل حطب في حريق الفتن.
وتذكر دائما: الضجيج لا يصنع الحقيقة، والحق لا يحتاج إلى ميكروفون، الحق كالشمس، قد تغطيها الغيوم ساعة، لكنها تشرق دائما".
في عصر المنصات المفتوحة وسباق المشاهدات وزمن صار فيه "الترند" معيارا و"المشاهدات" دليلا، باتت قاعدة "السوشيال ميديا" واضحة: "كلما فرغ المحتوى علا الصخب". لكن تذكر ياصديقي أن القاعدة الربانية هي الفيصل، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}. ومهما علا صوت الباطل، فاعلم أنه اقترب من السقوط، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما، ولا تفتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.