معجزة في ثلاث مراحل.. فريق طبي بشبرا الخيمة يُعيد ساق طفل من حافة البتر إلى أحضان الحياة

عملية جراحية

عملية جراحية

احمد عواد

كان القرار الطبي الأولي لا يحتمل التفاؤل؛ ساق يمنى مهتّكة بالكامل، وأنسجة مهروسة لا تُبقي مجالاً للأمل، وكلمة واحدة ثقيلة ت맴حوم في الغرفة كالظل: البتر.

كان محمد أبو الحمد، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الـ13 عاماً بعد، لا يعلم ما يدور حوله من نقاشات طبية مصيرية. كل ما يعرفه أنه تعرّض لحادث طريق أليم غيّر حياته في لحظة، وأن ساقه اليمنى باتت في مواجهة مصير لا يتمناه أحد. لكن القدر شاء أن يكون في مستشفى ناصر التخصصي بشبرا الخيمة، حيث يُحسن الأطباء أحياناً ما تُسيء إليه الأقدار.

حين يرفض الطب الاستسلام

في تلك اللحظة الفارقة التي يقف فيها الطبيب أمام خيارين لا ثالث لهما، اختار الفريق الطبي بمستشفى ناصر التخصصي الطريق الأصعب والأشرف؛ قرروا أن يمنحوا محمد فرصة أخيرة، وأن يضعوا خبراتهم كلها في مواجهة ما بدا مستحيلاً.

وفي القليوبية الآن، ومن قلب شبرا الخيمة، كتب هذا الفريق الطبي قصة لن ينساها محمد ولا أسرته ما حيوا؛ قصة تقول إن الطب حين يتكاتف مع الإرادة يصنع ما يشبه المعجزات.

ثلاث مراحل.. وساق تعود للحياة

لم يكن الطريق إلى الإنقاذ مفروشاً بالورود، بل كان سلسلة من العمليات المعقدة والدقيقة التي تحتاج إلى صبر الجراح وحكمة الخبير ودقة الحرفي في آنٍ واحد. جاءت العمليات على ثلاث مراحل متتالية، كل منها تُمهّد للتي تليها في منهجية تعكس عمق التخطيط الطبي.

في المرحلة الأولى، أقدم الفريق على تنظيف الجروح وتثبيت العظام بمثبّت خارجي، ذلك الإجراء الذي يضع الأساس الصلب لكل ما سيأتي بعده، ويضمن استقرار الحالة في مواجهة تعقيداتها.

وفي المرحلة الثانية، تصدّى الفريق لأصعب تحديات الحالة؛ فقدان الأنسجة الذي يُعدّ من أكثر إشكاليات الجراحة تعقيداً، عبر إجراء عمليات تجميلية متقدمة تستعيد ما أتلفه الحادث وتُهيّئ الساق لمرحلة الترميم النهائية.

أما المرحلة الثالثة، فكانت الختام الذي يُتوّج الجهد كله؛ زراعة رقع جلدية لترميم الساق واستعادة وظيفتها الكاملة، في لمسة ختامية أعادت لمحمد ما كاد يفقده إلى الأبد.

فريق من المهرة خلف الإنجاز

وراء كل معجزة طبية أسماء وأيدٍ وعقول عملت في توافق نادر. جاء هذا الإنجاز تحت رعاية الدكتورة مها إبراهيم، رئيس أمانة المراكز الطبية المتخصصة، والدكتور أيمن خلاف، مدير مستشفى ناصر التخصصي.

وضمّ فريق العمل الجراحي نخبة من المتخصصين؛ في جانب جراحة التجميل أبلى كل من الدكتور هيثم فرج، والدكتور أحمد جمال، والدكتور حسام عزت بلاءً حسناً، فيما تولّى فريق جراحة العظام المؤلف من الدكتور هاني جميل والدكتور إبراهيم عيد الجانب التقني الدقيق من العملية.

ولم تنسَ إدارة المستشفى في ختام البيان أن توجّه شكرها لـفريق التمريض الذي قضى ساعات طويلة إلى جانب محمد، يرعاه ويُتابع حالته في صمت المخلصين الذين لا تُذكر أسماؤهم دائماً لكن لا يكتمل الإنجاز بدونهم.

محمد يستعد للعودة

اليوم، وبعد رحلة شاقة مع غرف العمليات وأروقة المستشفى، يستعدّ محمد أبو الحمد للعودة إلى حياته الطبيعية بساقه كاملة، تلك الساق التي كادت تُبتر ثم أبت إلا أن تعود.

ربما لن يُدرك محمد حجم ما صنعه ذلك الفريق الطبي له إلا حين يركض مستقبلاً في ملعب، أو حين يقف يوماً ليحكي لأبنائه قصة الطفل الذي استردّ ساقه من حافة القدر.