الشائعة لا تُهزم إلا بالوعي

محمد ناجي زاهي

محمد ناجي زاهي

لم تعد الشائعة مجرد كلام عابر يقال في المجالس ثم ينتهي أثره بانتهاء الحديث، بل أصبحت في زمن المنصات الرقمية سلاحًا سريع الانتشار، قادرًا على أن يصنع ارتباكًا، ويزرع خوفًا، ويهز ثقة الناس في أنفسهم ومجتمعهم ومؤسساتهم، فالكلمة الكاذبة حين تجد من يصدقها وينشرها، تتحول من همسة ضعيفة إلى عاصفة تضرب الوعي العام.

ومواجهة الشائعات لا تبدأ من الجهات الرسمية وحدها، بل تبدأ من عقل المواطن نفسه، فكل إنسان اليوم أصبح بوابة نشر، وكل هاتف يمكن أن يكون وسيلة وعي أو أداة تضليل، لذلك، فإن أول خطوة في مواجهة الشائعة هي التوقف قبل المشاركة، والسؤال قبل التصديق، والبحث عن المصدر قبل أن نمنح الكذب فرصة للانتشار.

الشائعة تعيش على السرعة، وتموت بالتحقق وتنتشر لأنها تخاطب الخوف والفضول، وتستخدم عناوين صادمة وعبارات مثيرة وصورًا مجتزأة لتدفع الناس إلى التفاعل دون تفكير، ولهذا فإن الوعي الحقيقي لا يعني أن نرفض كل ما نسمع، بل أن نمتلك القدرة على التمييز بين الخبر والمعلومة، وبين الرأي والتحريض، وبين النقد والكذب المتعمد.

كما أن للإعلام دورًا جوهريًا في هذه المعركة، فالإعلام المسؤول لا يطارد الإثارة، ولا يعيد نشر الكلام المجهول بحثًا عن المشاهدات، بل يراجع ويدقق ويضع الحقيقة أمام الناس دون تهويل أو تهوين، لأن الإعلام حين ينحاز للمهنية، يصبح خط الدفاع الأول عن وعي المجتمع.

ولا يقل دور الأسرة والمدرسة والجامعة أهمية عن دور الإعلام، فبناء عقل ناقد يبدأ من التربية على السؤال، وعلى عدم الانسياق وراء كل ما يقال ... نحن بحاجة إلى أجيال تعرف أن المشاركة مسؤولية، وأن زر “إعادة النشر” قد يحمل أحيانًا ضررًا أكبر مما يتخيل صاحبه.

إن مواجهة الشائعات ليست معركة ضد الكلام، بل معركة من أجل الحقيقة، وليست تقييدًا للناس، بل حماية لهم من الخوف المصنوع، والارتباك المتعمد، والتلاعب بالعقول، فالمجتمع الذي يتحقق قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن ينشر، لا تمنحه الشائعة فرصة للسيطرة عليه.

وتبقى الحقيقة أقوى من الكذب، لكنها تحتاج إلى من يحميها، وينشرها، ويدافع عنها، فالشائعة لا تنتصر لأنها قوية، بل لأنها تجد طريقًا مفتوحًا إلى عقول لم تسأل، وأيدٍ شاركت دون تحقق، أما حين يحضر الوعي، تسقط الشائعة من أول خطوة، ويصبح المجتمع أكثر صلابة أمام كل محاولات التضليل.