هل انتهى عصر الصحفي.. أم انتهى عصر ناقل الأخبار؟

هاني حجر

هاني حجر

في ظل تسابق الأحداث وظهور تقنيات جديدة بين الحين والآخر نجد البعض يسرع بإعلان وفاة مهنة الصحافة حدث ذلك من قبل مع الإذاعة ثم مع التلفزيون، ثم مع الإنترنت ثم مع وسائل التواصل الاجتماعي واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. 
لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه الآن ليس هل انتهي عصر الصحفي؟ بل أي  من الصحفيين انتهي عصره وأصبح وجوده كالعدم سواء؟

كان الصحفي في الماضي يمتلك ميزة الوصول إلى الخبر أما اليوم فالخبر يصل إلى الجميع في اللحظة نفسها وربما قبل أن يصل إلى غرفة الأخبار هاتف صغير في يد أي مواطن قد ينقل حدثًا يشاهده ملايين الناس خلال دقائق.

إذا كان الخبر متاحًا للجميع عبر وسائل مختلفة وبضغطة زر فما قيمة الصحفي إذن؟

هنا تبدأ المهمة الحقيقية ويظهر الدور الحقيقي فالصحفي ليس صندوق بريد ينقل الأخبار بل عقل يقرأها وضمير يتحقق منها وخبرة تربط بين تفاصيلها قد يعرف الناس ماذا حدث لكنهم لا يعرفون دائمًا لماذا حدث ولا ما نتائجه ولا من المستفيد منه.

وهنا يظهر الفرق بين من ينقل الحدث ومن يصنع الوعي.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي أدوات العمل الصحفي لكنه لم يلغِ الحاجة إلى الصحفي فهو يستطيع أن يساعد في جمع المعلومات أو تلخيص التقارير أو اقتراح العناوين لكنه لا يعيش الواقع ولا يجري مقابلة تكشف حقيقة مخفية ولا يتحمل مسؤولية كلمة قد تغيّر رأيًا عامًا أو تكشف فسادًا .

أعتقد أن أخطر ما يواجه الصحافة اليوم ليس الذكاء الاصطناعي بل الاكتفاء بالنسخ واللصق والجري وراء السبق على حساب الملاحظة الدقيقة واللهاث وراء المشاهدات والترندات بدلًا من البحث عن الحقيقة.

ولهذا فإن الصحفي هو الذي سيبقى ليس الأسرع في النشر بل الأقدر على الفهم والأصدق في التحقق والأعمق في التحليل.
الصحافة لم تمت لكنها دخلت مرحلة جديدة مرحلة لا يكفي فيها أن تعرف الخبر بل يجب أن تمنح القارئ ما لا يجده في أي مكان آخر: تفسيرًا وتحليلًا ورؤية.
ربما انتهى عصر ناقل الأخبار لكنه بالتأكيد لم ينتهي عصر الصحفي الحقيقي.